و يتبين بهذا البيان أولا: أن مقتضى هذا الحال أن يتعرض موسى (عليه السلام) في شكواه إلى ربه لحال نفسه وأخيه ، وهما المبلغان عن الله تعالى ، ولا يتعرض لحال غيرهما من المؤمنين وإن كانوا غير متمردين.
إذ لا شأن لهم في التبليغ والدعوة ، والمقام إنما يقتضي التعرض لحال مبلغ الحكم لا العامل الآخذ به المستجيب له.
وثانيا: أن المقام كان يقتضي رجوع موسى (عليه السلام) إلى ربه بالشكوى وهو في الحقيقة استنصار منه في إجراء الأمر الإلهي.
وثالثا: أن قوله:"و أخي"معطوف على الياء في قوله:"إني"والمعنى: وأخي مثلي لا يملك إلا نفسه لا على قوله:"نفسي"فإنه خلاف ما يقتضيه السياق وإن كان المعنى صحيحا على جميع التقادير فإن موسى وهارون كما كانا يملك كل منهما من نفسه الطاعة والامتثال كان موسى يملك من نفس هارون الطاعة لكونه خليفته في حياته ، وكذا كانا يملكان ممن أخلص لله من المؤمنين السمع والطاعة.
ورابعا: أن قوله:"فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"ليس دعاء منه على بني إسرائيل بالحكم الفصل المستعقب لنزول العذاب عليهم أو بالتفريق بينهما وبينهم بإخراجهما من بينهم أو بتوفيهما فإنه (عليه السلام) كان يدعوهم إلى ما كتب الله لهم من تمام النعمة ، وكان هو الذي كتب الله المن على بني إسرائيل بإنجائهم واستخلافهم في الأرض بيده كما قال تعالى:"و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين": القصص: 5.
وكان بنو إسرائيل يعلمون ذلك منه كما يستفاد من قولهم على ما حكى الله:"قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا"الآية: الأعراف: 192.
ويشهد بذلك أيضا قوله تعالى:"فلا تأس على القوم الفاسقين"فإنه يكشف عن أن موسى (عليه السلام) كان يشفق عليهم من نزول السخط الإلهي ، وكان من المترقب أن يحزن بسبب حلول نقمة التيه بهم.
:"قوله تعالى قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين"الضمير في قوله:"فإنها"راجعة إلى الأرض المقدسة ، والمراد بالتحريم التحريم التكويني وهو القضاء ، والتيه التحير ، واللام في"الأرض"للعهد ، وقوله"فلا تأس"نهي من الأسى وهو الحزن ، وقد أمضى الله تعالى قول موسى (عليه السلام) حيث وصفهم في دعائه بالفاسقين.
والمعنى: أن الأرض المقدسة أي دخولها وتملكها محرمة عليهم ، أي قضينا أن لا يوفقوا لدخولها أربعين سنة يسيرون فيها في الأرض متحيرين لا هم مدنيون يستريحون إلى بلد من البلاد ، ولا هم بدويون يعيشون عيشة القبائل والبدويين ، فلا تحزن على القوم الفاسقين من نزول هذه النقمة عليهم لأنهم فاسقون لا ينبغي أن يحزن عليهم إذا أذيقوا وبال أمرهم.
في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم دابة وامرأة كتب ملكا. وفيه: أخرج أبو داود في مراسله عن زيد بن أسلم: في قوله:"و جعلكم ملوكا"قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : زوجة ومسكن وخادم. أقول: وروي غير هاتين الروايتين روايات أخرى في هذا المعنى غير أن الآية في سياقها لا تلائم هذا التفسير ، فإنه وإن كان من الممكن أن يكون من دأب بني إسرائيل أن يسموا كل من كان له بيت وامرأة وخادم ملكا أو يكتبوه ملكا إلا أن من البديهي أنهم لم يكونوا كلهم حتى الخوادم على هذا النعت ذوي بيوت ونساء وخدام فالكائن منهم على هذه الصفة بعضهم ويماثلهم في ذلك سائر الأمم والأجيال فاتخاذ البيوت والنساء والخدام عادة جارية في جميع الأمم لا يخلو عن ذلك أمة عن الأمم ، وإذا كان كذلك لم يكن أمرا يخص بني إسرائيل حتى يمتن الله عليهم في كلامه بأنه جعلهم ملوكا ، والآية في مقام الامتنان.
ولعل التنبه على ذلك أوجب وقوع ما وقع في بعض الروايات كما عن قتادة: أنهم أول من ملك الخدم ، والتاريخ لا يصدقه.