سياق الآيات من حيث اتحادها في بيان أمر الإنفاق ، ورجوع مضامينها وأغراضها بعضها إلى بعض يعطي أنها نزلت دفعه واحدة ، وهي تحث المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله تعالى ، فتضرب أولا مثلا لزيادته ونموه عند الله سبحانه: واحد بسبعمائة ، وربما زاد على ذلك بإذن الله ، وثانيا مثلا لكونه لا يتخلف عن شأنه على أي حال وتنهى عن الرياء في الإنفاق وتضرب مثلا للإنفاق رياء لا لوجه الله ، وأنه لا ينمو نماء ولا يثمر أثرا ، وتنهى عن الإنفاق بالمن والأذى إذ يبطلان أثره ويحبطان عظيم أجره ، ثم تأمر بأن يكون الإنفاق من طيب المال لا من خبيثه بخلا وشحا ، ثم تعين المورد الذي توضع فيه هذه الصنيعة وهو الفقراء المحضرون في سبيل الله ، ثم تذكر ما لهذا الإنفاق من عظيم الأجر عند الله.
وبالجملة الآيات تدعو إلى الإنفاق ، وتبين أولا وجهه وغرضه وهو أن يكون لله لا للناس ، وثانيا صورة عمله وكيفيته وهو أن لا يتعقبه المن والأذى ، وثالثا وصف مال الإنفاق وهو أن يكون طيبا لا خبيثا ، ورابعا نعت مورد الإنفاق وهو أن يكون فقيرا أحصر في سبيل الله ، وخامسا ما له من عظيم الأجر عاجلا وآجلا.
كلام في الإنفاق
الإنفاق من أعظم ما يهتم بأمره الإسلام في أحد ركنيه وهو حقوق الناس وقد توسل إليه بأنحاء التوسل إيجابا وندبا من طريق الزكاة والخمس والكفارات المالية وأقسام الفدية والإنفاقات الواجبة والصدقات المندوبة ، ومن طريق الوقف والسكنى والعمرى والوصايا والهبة وغير ذلك.
وإنما يريد بذلك ارتفاع سطح معيشة الطبقة السافلة التي لا تستطيع رفع حوائج الحياة من غير إمداد مالي من غيرهم ، ليقرب أفقهم من أفق أهل النعمة والثروة ، ومن جانب آخر قد منع من تظاهر أهل الطبقة العالية بالجمال والزينة في مظاهر الحياة بما لا يقرب من المعروف ولا تناله أيدي النمط الأوسط من الناس ، بالنهي عن الإسراف والتبذير ونحو ذلك.
وكان الغرض من ذلك كله إيجاد حياة نوعية متوسطة متقاربة الأجزاء متشابهة الأبعاض ، تحيي ناموس الوحدة والمعاضدة ، وتميت الإرادات المتضادة وأضغان القلوب ومنابت الأحقاد ، فإن القرآن يرى أن شأن الدين الحق هو تنظيم الحياة بشئونها ، وترتيبها ترتيبا يتضمن سعادة الإنسان في العاجل والآجل ، ويعيش به الإنسان في معارف حقة ، وأخلاق فاضلة ، وعيشة طيبة يتنعم فيها بما أنعم الله عليه من النعم في الدنيا ، ويدفع بها عن نفسه المكاره والنوائب ونواقص المادة.
ولا يتم ذلك إلا بالحياة الطيبة النوعية المتشابهة في طيبها وصفائها ، ولا يكون ذلك إلا بإصلاح حال النوع برفع حوائجها في الحياة ، ولا يكمل ذلك إلا بالجهات المالية والثروة والقنية ، والطريق إلى ذلك إنفاق الأفراد مما اقتنوه بكد اليمين وعرق الجبين ، فإنما المؤمنون إخوة ، والأرض لله ، والمال ماله.
وهذه حقيقة أثبتت السيرة النبوية على سائرها أفضل التحية صحتها واستقامتها في القرار والنماء والنتيجة في برهة من الزمان وهي زمان حياته (عليه السلام) ونفوذ أمره.
: وهي التي يتأسف عليها ويشكو انحراف مجراها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إذ يقول: وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا ، والشر فيه إلا إقبالا ، والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا ، فهذا أوان قويت عدته وعمت مكيدته وأمكنت فريسته ، اضرب بطرفك حيث شئت هل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا؟ أو غنيا بدل نعمة الله كفرا؟ أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا أو متمردا كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرا؟ نهج البلاغة ، .
وقد كشف توالي الأيام عن صدق القرآن في نظريته هذه - وهي تقريب الطبقات بإمداد الدانية بالإنفاق ومنع العالية عن الإتراف والتظاهر بالجمال - حيث إن الناس بعد ظهور المدنية الغربية استرسلوا في الإخلاد إلى الأرض ، والإفراط في استقصاء المشتهيات الحيوانية.