فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 4314

و استيفاء الهوسات النفسانية ، وأعدوا له ما استطاعوا من قوة ، فأوجب ذلك عكوف الثروة وصفوة لذائذ الحياة على أبواب أولي القوة والثروة ، ولم يبق بأيدي النمط الأسفل إلا الحرمان ، ولم يزل النمط الأعلى يأكل بعضه بعضا حتى تفرد بسعادة الحياة المادية نزر قليل من الناس وسلب حق الحياة من الأكثرين وهم سواد الناس ، وأثار ذلك جميع الرذائل الخلقية من الطرفين ، كل يعمل على شاكلته لا يبقى ولا يذر ، فأنتج ذلك التقابل بين الطائفتين ، واشتباك النزاع والنزال بين الفريقين والتفاني بين الغني والفقير والمنعم والمحروم والواجد والفاقد ، ونشبت الحرب العالمية الكبرى ، وظهرت الشيوعية ، وهجرت الحقيقة والفضيلة ، وارتحلت السكن والطمأنينة وطيب الحياة من بين النوع و ، هذا ما نشاهده اليوم من فساد العالم الإنساني ، وما يهدد النوع بما يستقبله أعظم وأفظع.

ومن أعظم العوامل في هذا الفساد انسداد باب الإنفاق وانفتاح أبواب الرباء الذي سيشرح الله تعالى أمره الفظيع في سبع آيات تالية لهذه الآيات أعني آيات الإنفاق ، ويذكر أن في رواجه فساد الدنيا وهو من ملاحم القرآن الكريم ، وقد كان جنينا أيام نزول القرآن فوضعته حامل الدنيا في هذه الأيام.

وإن شئت تصديق ما ذكرناه فتدبر فيما ذكره سبحانه في سورة الروم إذ قال:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلوة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون إلى أن قال: فأت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكوة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون - إلى أن قال -: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون الآيات": الروم - 30 - 43 ، وللآيات نظائر في سور هود ويونس والإسراء والأنبياء وغيرها تنبىء عن هذا الشأن ، سيأتي بيانها إن شاء الله.

وبالجملة هذا هو السبب فيما يتراءى من هذه الآيات أعني آيات الإنفاق من الحث الشديد والتأكيد البالغ في أمره.

قوله تعالى: مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة"إلخ"، المراد بسبيل الله كل أمر ينتهي إلى مرضاته سبحانه لغرض ديني فعل الفعل لأجله ، فإن الكلمة في الآية مطلقة ، وإن كانت الآية مسبوقة بآيات ذكر فيها القتال في سبيل الله ، وكانت كلمة ، في سبيل الله ، مقارنة للجهاد في غير واحد من الآيات ، فإن ذلك لا يوجب التخصيص وهو ظاهر.

وقد ذكروا أن قوله تعالى: كمثل حبة أنبتت"إلخ"، على تقدير قولنا كمثل من زرع حبة أنبتت"إلخ"، فإن الحبة المنبتة لسبع سنابل مثل المال الذي أنفق في سبيل الله لا مثل من أنفق وهو ظاهر.

وهذا الكلام وإن كان وجيها في نفسه لكن التدبر يعطي خلاف ذلك فإن جل الأمثال المضروبة في القرآن حالها هذا الحال فهو صناعة شائعة في القرآن كقوله تعالى:"مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء:"البقرة - 171 ، فإنه مثل من يدعو الكفار لا مثل الكفار ، وقوله تعالى: إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه"الآية: يونس - 24 ، وقوله تعالى:"مثل نوره كمشكوة:"النور - 35 ، وقوله تعالى في الآيات التالية لهذه الآية: فمثله كمثل صفوان الآية ، وقوله تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة الآية إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة."

وهذه الأمثال المضروبة في الآيات تشترك جميعا في أنها اقتصر فيها على مادة التمثيل الذي يتقوم بها المثل مع الإعراض عن باقي أجزاء الكلام للإيجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت