"من دونهما"أي أنزل درجة وأحط فضلا وشرفا منهما وإن كانتا شبيهتين بالجنتين السابقتين في نعمهما وآلائهما ، وقد تقدم أن الجنتين السابقتين لأهل الإخلاص الخائفين مقام ربهم فهاتان الجنتان لمن دونهم من المؤمنين العابدين لله سبحانه خوفا من النار أو طمعا في الجنة وهم أصحاب اليمين.
وقيل: معنى"من دونهما"بالقرب منهما ، ويستفاد من السياق حينئذ أن هاتين الجنتين أيضا لأهل الجنتين المذكورتين قبلا بل ادعى بعضهم أن هاتين الجنتين أفضل من السابقتين والصفات المذكورة فيهما أمدح.
وأنت بالتدبر فيما قدمناه في معنى لمن خاف مقام ربه وما يستفاد من كلامه تعالى أن أهل الجنة صنفان: المقربون أهل الإخلاص وأصحاب اليمين تعرف قوة الوجه السابق.
قوله تعالى:"مدهامتان"الادهيمام من الدهمة اشتداد الخضرة بحيث تضرب إلى السواد وهو ابتهاج الشجرة.
قوله تعالى:"فيهما عينان نضاختان"أي فوارتان تخرجان من منبعهما بالدفع.
قوله تعالى:"فيهما فاكهة ونخل ورمان"المراد بالفاكهة والرمان شجرتهما بقرينة النخل.
قوله تعالى:"فيهن خيرات حسان"ضمير"فيهن"للجنان باعتبار أنها جنتان من هاتين الجنتين ، وقيل: مرجع الضمير الجنات الأربع المذكورة في الآيات ، وقيل: الضمير للفاكهة والنخل والرمان.
وأكثر ما يستعمل الخير في المعاني كما أن أكثر استعمال الحسن في الصور ، وعلى هذا فمعنى خيرات حسان أنهن حسان في أخلاقهن حسان في وجوههن.
قوله تعالى:"حور مقصورات في الخيام"الخيام جمع خيمة وهي الفسطاط ، وكونهن مقصورات في الخيام أنهن مصونات غير مبتذلات لا نصيب لغير أزواجهن فيهن.
قوله تعالى:"لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان"تقدم معناه.
قوله تعالى:"متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان"في الصحاح ،: الرفرف ثياب خضر تتخذ منها المجالس.
انتهى.
وقيل: هي الوسائد ، وقيل: غير ذلك ، والخضر جمع أخضر صفة لرفرف ، والعبقري قيل: الزرابي ، وقيل: الطنافس ، وقيل: الثياب الموشاة ، وقيل: الديباج.
قوله تعالى:"تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام"ثناء جميل له تعالى بما امتلأت النشأتان الدنيا والآخرة بنعمه وآلائه وبركاته النازلة من عنده برحمته الواسعة ، وبذلك يظهر أن المراد باسمه المتبارك هو الرحمن المفتتحة به السورة ، والتبارك كثرة الخيرات والبركات الصادرة.
فقوله:"تبارك اسم ربك"تبارك الله المسمى بالرحمن بما أفاض هذه الآلاء.
وقوله:"ذي الجلال والإكرام"إشارة إلى تسميه بأسمائه الحسنى واتصافه بما يدل عليه من المعاني الوصفية ونعوت الجلال والجمال ، ولصفات الفاعل ظهور في أفعاله وأثر فيها يرتبط به الفعل بفاعله فهو تعالى خلق الخلق ونظم النظام لأنه بديع خالق مبدىء فأتقن الفعل لأنه عليم حكيم وجازى أهل الطاعة بالخير لأنه ودود شكور غفور رحيم وأهل الفسق بالشر لأنه منتقم شديد العقاب.
فتوصيف الرب - الذي أثنى على سعة رحمته - بذي الجلال والإكرام للإشارة إلى أن لأسمائه الحسنى وصفاته العليا دخلا في نزول البركات والخيرات من عنده ، وأن نعمه وآلاءه عليها طابع أسمائه الحسنى وصفاته العليا تبارك وتعالى.
في المجمع ،: وقد جاء في الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون:"يا معشر الجن والإنس إن استطعتم إلى قوله يرسل عليكما شواظ من نار": . أقول: وروي هذا المعنى عن مسعدة بن صدقة عن كليب عن أبي عبد الله (عليه السلام) .
وفي الكافي ، بإسناده عن داود الرقي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قول الله عز وجل:"و لمن خاف مقام ربه جنتان"قال: من علم أن الله يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والحكيم في نوادر الأصول والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية"و لمن خاف مقام ربه جنتان"فقلت: "أ وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الثانية"و لمن خاف مقام ربه جنتان"فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء."