فهرس الكتاب

الصفحة 3922 من 4314

و الخوف المذكور في الآية - ولمن خاف مقام ربه - ظاهره غير هذا الخوف فإن هذا خوف من العقاب وهو غير الخوف من قيامه تعالى على عبده بما عمل أو الخوف من مقامه تعالى من عبده فهو تأثر خاص ممن ليس له إلا الصغار والحقارة تجاه ساحة العظمة والكبرياء ، وظهور أثر المذلة والهوان والاندكاك قبال العزة والجبروت المطلقين.

وعبادته تعالى خوفا منه بهذا المعنى من الخوف خضوع له تعالى لأنه الله ذو الجلال والإكرام لا لخوف من عقابه ولا طمعا في ثوابه بل فيه إخلاص العمل لوجهه الكريم ، وهذا المعنى من الخوف هو الذي وصف الله به المكرمين من ملائكته وهم معصومون آمنون من عقاب المخالفة وتبعة المعصية قال تعالى:"يخافون ربهم من فوقهم": النحل: 50.

فتبين مما تقدم أن الذين أشار إليهم بقوله:"و لمن خاف"أهل الإخلاص الخاضعون لجلاله تعالى العابدون له لأنه الله عز اسمه لا خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه ، ولا يبعد أن يكونوا هم الذين سموا سابقين في قوله:"و كنتم أزواجا ثلاثة - إلى أن قال - والسابقون السابقون أولئك المقربون": الواقعة: 11.

وقوله:"جنتان"قيل: إحداهما منزله ومحل زيارة أحبابه له والأخرى منزل أزواجه وخدمه ، وقيل: بستانان بستان داخل قصره وبستان خارجه ، وقيل: منزلان ينتقل من أحدهما إلى الآخر ليكمل به التذاذه ، وقيل: جنة لعقيدته وجنة لعمله ، وقيل: جنة لفعل الطاعات وجنة لترك المعاصي ، وقيل: جنة جسمانية وجنة روحانية وهذه الأقوال - كما ترى - لا دليل على شيء منها.

وقيل: جنة يثاب بها وجنة يتفضل بها عليه ، ويمكن أن يستشعر ذلك من قوله تعالى:"لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق: 35 ، على ما مر في تفسيره.

قوله تعالى:"ذواتا أفنان"ذواتا تثنية ذات ، و"أفنان"إما جمع فن بمعنى النوع والمعنى: ذواتا أنواع من الثمار ونحوها ، وإما جمع فنن بمعنى الغصن الرطب اللين والمعنى: ذواتا أغصان لينة أشجارهما.

قوله تعالى:"فيهما عينان تجريان"وقد أبهمت العينان وفيه دلالة على فخامة أمرهما.

قوله تعالى:"فيهما من كل فاكهة زوجان"أي صنفان قيل: صنف معروف لهم شاهدوه في الدنيا وصنف غير معروف لم يروه في الدنيا ، وقيل: غير ذلك ، ولا دلالة في الكلام على شيء من ذلك.

قوله تعالى:"متكئين على فرش بطائنها من إستبرق"إلخ ، الفرش جمع فراش ، والبطائن جمع بطانة وهي داخل الشيء وجوفه مقابل الظهائر جمع ظهارة ، والإستبرق الحرير الغليظ قال في المجمع ،: ذكر البطانة ولم يذكر الظهارة لأن البطانة تدل على أن لها ظهارة والبطانة دون الظهارة فدل على أن الظهارة فوق الإستبرق ، انتهى.

وقوله:"و جنى الجنتين دان"الجنى الثمر المجتنى و"دان"اسم فاعل من الدنو بمعنى القرب أي ما يجتنى من ثمار الجنتين قريب.

قوله تعالى:"فيهن قاصرات الطرف"إلى آخر الآية ضمير"فيهن"للفرش وجوز أن يرجع إلى الجنان فإنها جنان لكل واحد من أولياء الله منها جنتان ، والطرف جفن العين ، والمراد بقصور الطرف اكتفاؤهن بأزواجهن فلا يردن غيرهم.

وقوله:"لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان"الطمث الافتضاض والنكاح بالتدمية ، والمعنى: لم يمسسهن بالنكاح إنس ولا جان قبل أزواجهن.

قوله تعالى:"كأنهن الياقوت والمرجان"أي في صفاء اللون والبهاء والتلالؤ.

قوله تعالى:"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"استفهام إنكاري في مقام التعليل لما ذكر من إحسانه تعالى عليهم بالجنتين وما فيهما من أنواع النعم والآلاء فيفيد أنه تعالى يحسن إليهم هذا الإحسان جزاء لإحسانهم بالخوف من مقام ربهم.

وتفيد الآية أن ما أوتوه من الجنة ونعيمها جزاء لأعمالهم وأما ما يستفاد من بعض الآيات أنهم يعطون فضلا وراء جزاء أعمالهم فلا تعرض في هذه الآيات لذلك إلا أن يقال: الإحسان إنما يتم إذا كان يربو على ما أحسن به المحسن إليه فإطلاق الإحسان في قوله:"إلا الإحسان"يفيد الزيادة.

قوله تعالى:"و من دونهما جنتان"ضمير التثنية للجنتين الموصوفتين في الآيات السابقة ومعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت