و قوله:"تماما على الذي أحسن"يبين أن إنزال الكتاب لتتم به نقيصة الذين أحسنوا من بني إسرائيل في العمل بهذه الشرائع الكلية العامة ، وقد قال تعالى في قصة موسى بعد نزول الكتاب:"و كتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها": الأعراف: 145 وقال:"و ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين": البقرة: 58 وعلى هذا فالموصول في قوله:"على الذي أحسن"يفيد الجنس.
وقد ذكروا في معنى الجملة وجوها أخرى فقيل: المعنى: تماما على إحسان موسى بالنبوة والكرامة ، وقيل: المعنى: إتماما للنعمة على الذين أحسنوا من المؤمنين ، وقيل: المعنى: إتماما للنعمة على الأنبياء الذين أحسنوا ، وقيل: المعنى: تماما لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا ، وقيل: المعنى تماما على الذي أحسن الله إلى موسى من الكرامة بالنبوة وغيرها ، وقيل: إنه متصل بقصة إبراهيم والمعنى: تماما للنعمة على إبراهيم.
وضعف الجميع ظاهر.
وقوله:"و تفصيلا لكل شيء"أي مما يحتاج إليه بنو إسرائيل أو ينتفع به غيرهم ممن بعدهم ، وهدى يهتدي به ورحمة ينعمون بها.
وقوله:"لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون"فيه إشارة إلى أن بني إسرائيل كانوا يتثاقلون أو يستنكفون عن الإيمان بلقاء الله واليوم الآخر ، ومما يؤيده أن التوراة الحاضرة التي يذكر القرآن أنها محرفة لا يوجد فيها ذكر من البعث يوم القيامة ، وقد ذكر بعض المورخين منهم أن شعب إسرائيل ما كانت تعتقد المعاد.
قوله تعالى:"و هذا كتاب أنزلناه مبارك"إلى آخر الآية ، أي وهذا كتاب مبارك يشارك كتاب موسى فيما ذكرناه من الخصيصة فاتبعوه"إلخ".
قوله تعالى:"أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا"إلخ ،"أن تقولوا"معناه كراهة أن تقولوا ، أو لئلا تقولوا ، وهو شائع في الكلام ، وهو متعلق بقوله في الآية السابقة:"أنزلناه".
وقوله:"طائفتين من قبلنا"يراد به اليهود والنصارى أنزل عليهما التوراة والإنجيل ، وأما كتب الأنبياء النازلة قبلهما مما يذكره القرآن مثل كتاب نوح وكتاب إبراهيم (عليه السلام) فلم يكن فيها تفصيل الشرائع وإن اشتملت على أصلها ، وأما سائر ما ينسب إلى الأنبياء (عليهم السلام) من الكتب كزبور داود (عليه السلام) وغيره فلم تكن فيها شرائع ولا لهم بها عهد.
والمعنى أنا أنزلنا القرآن كراهة أن تقولوا: إن الكتاب الإلهي المفصل لشرائعه إنما أنزل على طائفتين من قبلنا هم اليهود والنصارى وإنا كنا غافلين عن دراستهم وتلاوتهم ، ولا بأس علينا مع الغفلة.
قوله تعالى:"أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم"إلى آخر الآية أي من الذين أنزل إليهم الكتاب قبلنا ، وقوله:"فقد جاءكم بينة من ربكم"تفريع لقوليه:"أن تقولوا""أو تقولوا"جميعا ، وقد بدل الكتاب من البينة ليدل به على ظهور حجته ووضوح دلالته بحيث لا يبقى عذر لمعتذر ولا علة لمتعلل ، والصدف الإعراض ومعنى الآية ظاهر.
في تفسير العياشي ، عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي جعفر (عليه السلام) وهو متك على فراشه إذ قرأ الآيات المحكمات التي لم ينسخهن شيء من الأنعام قال: شيعها سبعون ألف ملك:"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم - ألا تشركوا به شيئا".
وفي الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلاه؟"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم"إلى ثلاث آيات. ثم قال: فمن وفى بهن فأجره على الله ، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته ، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه.
أقول: والرواية لا تخلو عن شيء فإن فيما ذكر في الآيات الشرك بالله ولا تكفي فيه عقوبة الدنيا ولا تناله مغفرة في الآخرة بنص القرآن ، قال تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به:"النساء: 48 وقال:"إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون: البقرة: 162."