فهرس الكتاب

الصفحة 1246 من 4314

و كذلك قوله:"إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيه فتكون طيرا بإذني وتبرء الأكمه والأبرص بإذني"ظاهر السياق من جهة عدم تكرار لفظة"إذ"أن خلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص كانا متقارنين زمانا ، وأن تذييل خلق الطير بذكر الإذن من غير أن يكتفي بالإذن المذكور في آخر الجملة إنما هو لعظمة أمر الخلق بإفاضة الحياة فتعلقت العناية به فاختص بذكر الإذن بعده من غير أن ينتظر فيه آخر الكلام صونا لقلوب السامعين من أن يخطر فيها أن غيره تعالى يستقل دونه بإفاضة الحياة أو تلبث فيها هذه الخطرة ولو لحظات يسيرة ، والله أعلم.

وقوله:"و إذ تخرج الموتى بإذني"إخراج الموتى كناية عن إحيائها ، وفيه عناية ظاهرة بأن الإحياء الذي جرى على يديه (عليه السلام) كان إحياء لموتى مقبورين بإفاضة الحياة عليهم وإخراجهم من قبورهم إلى حياة دنيوية ، وفي اللفظ دلالة على الكثرة ، وقد تقدم في الكلام على آيات آل عمران بقية ما يتعلق بهذه الآيات من الكلام فراجع ذلك.

قوله تعالى:"و إذ كففت بني إسرائيل عنك"إلى آخر الآية.

فيه دلالة على أنهم قصدوه بشر فكفهم الله عن ذلك فينطبق على ما ذكره الله في سورة آل عمران في قصصه (عليه السلام) بقوله:"و مكروا ومكر الله والله خير الماكرين".

قوله تعالى:"و إذ أوحيت إلى الحواريين"الآية ، الآية منطبقة على آيات سورة آل عمران بقوله:"فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون":"آل عمران: 52".

ومن هنا يظهر أن هذا الإيمان الذي ذكره في الآية بقوله:"و إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا ، الآية غير إيمانهم الأول به (عليه السلام) فإن ظاهر قوله في آية آل عمران:"فلما أحس عيسى منهم الكفر"أنه كان في أواخر أيام دعوته وقد كان الحواريون وهم السابقون الأولون في الإيمان به ملازمين له."

على أن ظاهر قوله في آية آل عمران:"قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون"أن الدعوة إنما سيقت لأخذ الميثاق على نصرة دين الله لا أصل الإيمان بالله ، ولذلك ختم الآية بقولهم:"و اشهد بأنا مسلمون"وهو التسليم لأمر الله بإقامة دعوته وتحمل الأذى في جنبه ، وكل ذلك بعد أصل الإيمان بالله طبعا.

فتبين أن المراد بقوله:"و إذ أوحيت إلى الحواريين ، إلخ"قصة أخذ الميثاق من الحواريين ، وفي الآية أبحاث أخر مرت في تفسير سورة آل عمران.

في المعاني ، بإسناده عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السكيت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : لما ذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا وآلة السحر ، وبعث عيسى بآلة الطب ، وبعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بالكلام والخطب؟. فقال أبو الحسن (عليه السلام) : إن الله تعالى لما بعث موسى (عليه السلام) كان الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عند القوم وفي وسعهم مثله ، وبما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجة عليهم وإن الله تعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيا لهم الموتى ، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، وأثبت به الحجة عليهم وإن الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام والشعر فأتاهم من كتاب الله والموعظة والحكمة بما أبطل به قولهم ، وأثبت به الحجة عليهم. قال ابن السكيت ما رأيت مثلك اليوم قط فما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال: العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه ، قال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت