قوله تعالى:"لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون"اللام للقسم ، والمراد بالسماوات والأرض مجموع العالم ، ومعنى الآية حسب ما يعطيه المقام أنهم ليسوا ببالغي بغيتهم وليسوا بمعجزين فإن الله الذي قدر على خلق مجموع العالم ولم يعجزه ذلك على ما فيه من العظمة ليس يعجزه جزء يسير منه وهو الناس المخلوقون الذين هم أهون عليه ولكن أكثر الناس جاهلون يظنون بجهلهم أنهم يعجزون الله بجدال يجادلونه أو أي كيد يكيدونه.
قوله تعالى:"و ما يستوي الأعمى والبصير"إلخ لما ذكر أن أكثر الناس لا يعلمون أكده بأنهم ليسوا على وتيرة واحدة فإن منهم الأعمى والبصير ولا يستويان وعطف عليهما الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء فالطائفة الأولى أولو بصيرة يتذكرون بها والثانية أعمى الله قلوبهم فلا يتذكرون.
وقوله:"قليلا ما تتذكرون"خطاب للناس بداعي التوبيخ وهو الوجه في الالتفات من الغيبة إلى الحضور.
قوله تعالى:"إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"ذكرهم تعالى في هذه الآية بإتيان الساعة وفي الآية التالية بدعوة ربهم إياهم إلى دعائه وعبادته كما نبه الذي آمن من آل فرعون في القصة السابقة بإتيان الساعة وبأن لله الدعوة وليس لآلهتهم دعوة في الدنيا ولا في الآخرة.
قوله تعالى:"و قال ربكم ادعوني أستجب لكم"دعوة منه تعالى لعباده إلى دعائه ووعد بالاستجابة ، وقد أطلق الدعوة والدعاء والاستجابة إطلاقا ، وقد أشبعنا الكلام في معنى الدعاء والإجابة في ذيل قوله تعالى:"أجيب دعوة الداع إذا دعان:"البقرة: - 186 في الجزء الأول من الكتاب.
وقوله:"إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين"الدخور الذلة ، وقد بدل الدعاء عبادة فدل على أن الدعاء عبادة.
في الصحيفة السجادية ،: وقلت:"ادعوني أستجب لكم - إن الذين يستكبرون عن عبادتي - سيدخلون جهنم داخرين"فسميت دعاءك عبادة وتركه استكبارا وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين.
وفي الكافي ، بإسناده عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ادع ولا تقل: قد فرغ من الأمر فإن الدعاء هو العبادة إن الله عز وجل يقول:"إن الذين يستكبرون عن عبادتي - سيدخلون جهنم داخرين"وقال:"ادعوني أستجب لكم".
أقول: قوله (عليه السلام) : فإن الدعاء - إلى قوله - داخرين احتجاج على ما ندب إليه أولا بقوله: ادع ، وقوله: وقال:"ادعوني أستجب لكم"احتجاج على ما قاله ثانيا: ولا تقل: قد فرغ من الأمر ولذا قدم (عليه السلام) في بيانه ذيل الآية على صدرها.
وفي الخصال ، عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا معاوية من أعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة: من أعطي الدعاء أعطي الإجابة ، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية فإن الله عز وجل يقول في كتابه:"و من يتوكل على الله فهو حسبه"وقال:"لئن شكرتم لأزيدنكم"، وقال:"ادعوني أستجب لكم".
وفي التوحيد ، بإسناده إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قال قوم للصادق (عليه السلام) : ندعوه فلا يستجاب لنا. قال: لأنكم تدعون من لا تعرفونه.
أقول: وقد أوردنا جملة من روايات الدعاء في ذيل قوله:"أجيب دعوة الداع إذا دعان:"البقرة: - 186 في الجزء الأول من الكتاب.