و يشعر بهذا المعنى قوله تعالى:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات": المجادلة - 11 ، وكذا قوله تعالى:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": الملائكة - 10 ، فالذي يصعد إليه تعالى هو الكلم الطيب وهو الاعتقاد والعلم ، وأما العمل الصالح فشأنه رفع الكلم الطيب والأمداد دون الصعود إليه تعالى ، وسيجيء تمام البيان في البحث عن الآية.
في الكافي ، عن الصادق (عليه السلام) : في معنى العبادة قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا الله خوفا ، فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب ، فتلك عبادة الأجراء ، وقوم عبدوا الله عز وجل حبا ، فتلك عبادة الأحرار ، وهي أفضل العبادة.
وفي نهج البلاغة ،: إن قوما عبدوا الله رغبة ، فتلك عبادة التجار ، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار.
وفي العلل ، والمجالس ، والخصال ، عن الصادق (عليه السلام) : إن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع ، وآخرون يعبدونه خوفا من النار فتلك عبادة العبيد ، وهي رهبة ، ولكني أعبده حبا له عز وجل فتلك عبادة الكرام ، لقوله عز وجل:"و هم من فزع يومئذ آمنون". ولقوله عز وجل"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"، فمن أحب الله عز وجل أحبه ، ومن أحبه الله كان من الآمنين ، وهذا مقام مكنون لا يمسه إلا المطهرون.
أقول: وقد تبين معنى الروايات مما مر من البيان ، وتوصيفهم (عليهم السلام) عبادة الأحرار تارة بالشكر وتارة بالحب ، لكون مرجعهما واحدا ، فإن الشكر وضع الشيء المنعم به في محله ، والعبادة شكرها أن تكون لله الذي يستحقها لذاته ، فيعبد الله لأنه الله ، أي لأنه مستجمع لجميع صفات الجمال والجلال بذاته ، فهو الجميل بذاته المحبوب لذاته ، فليس الحب إلا الميل إلى الجمال والانجذاب نحوه ، فقولنا فيه تعالى هو معبود لأنه هو ، وهو معبود لأنه جميل محبوب ، وهو معبود لأنه منعم مشكور بالعبادة يرجع جميعها إلى معنى واحد.
وروي بطريق عامي عن الصادق (عليه السلام) : في قوله تعالى: إياك نعبد الآية ، يعني: لا نريد منك غيرك ولا نعبدك بالعوض والبدل: كما يعبدك الجاهلون بك المغيبون عنك.
أقول: والرواية تشير إلى ما تقدم ، من استلزام معنى العبادة للحضور وللإخلاص الذي ينافي قصد البدل.
وفي تحف العقول ، عن الصادق (عليه السلام) في حديث: ومن زعم أنه يعبد بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب ، ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد لأن الصفة غير الموصوف ، ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر بالكبير ، وما قدروا الله حق قدره.
الحديث.
وفي المعاني ، عن الصادق (عليه السلام) : في معنى قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم يعني أرشدنا إلى لزوم الطريق المؤدي إلى محبتك ، والمبلغ إلى جنتك ، والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب ، أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك وفي المعاني ، أيضا عن علي (عليه السلام) : في الآية ، يعني ، أدم لنا توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا ، حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا.
أقول: والروايتان وجهان مختلفان في الجواب عن شبهة لزوم تحصيل الحاصل من سؤال الهداية للمهدي ، فالرواية الأولى ناظرة إلى اختلاف مراتب الهداية مصداقا والثانية إلى اتحادها مفهوما.
وفي المعاني ، أيضا عن علي (عليه السلام) : الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو ، وارتفع عن التقصير واستقام ، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة.
وفي المعاني ، أيضا عن علي (عليه السلام) : في معنى صراط الذين الآية: أي: قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك ، لا بالمال والصحة ، فإنهم قد يكونون كفارا أو فساقا ، قال: وهم الذين قال الله:"و من يطع الله والرسول - فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم - من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا".