و الخشية هي تأثر خاص للقلب عن المكروه وربما ينسب إلى السبب الذي يتوقع منه المكروه ، يقال: خشيت أن يفعل بي فلان كذا أو خشيت فلانا أن يفعل بي كذا ، والأنبياء يخشون الله ولا يخشون أحدا غيره لأنه لا مؤثر في الوجود عندهم إلا الله.
وهذا غير الخوف الذي هو توقع المكروه بحيث يترتب عليه الاتقاء عملا سواء كان معه تأثر قلبي أو لا فإنه أمر عملي ربما ينسب إلى الأنبياء كقوله تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام) :"ففررت منكم لما خفتكم": الشعراء: 21 ، وقوله في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"و إما تخافن من قوم خيانة": الأنفال: 58 ، وهذا هو الأصل في معنى الخوف والخشية وربما استعملا كالمترادفين.
ومما تقدم يظهر أن الخشية منفية عن الأنبياء (عليهم السلام) مطلقا وإن كان سياق قوله:"يبلغون رسالات الله ويخشونه"إلخ ، يلوح إلى أن المنفي هو الخشية في تبليغ الرسالة.
على أن جميع أفعال الأنبياء كأقوالهم من باب التبليغ فالخشية في أمر التبليغ مستوعبة لجميع أعمالهم.
وقوله:"و كفى بالله حسيبا"أي محاسبا يحاسب على الصغيرة والكبيرة فيجب أن يخشى ولا يخشى غيره.
قوله تعالى:"ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين"إلخ ، لا شك في أن الآية مسوقة لدفع اعتراضهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه تزوج زوج ابنه ومحصل الدفع أنه ليس أبا زيد ولا أبا أحد من الرجال الموجودين في زمن الخطاب حتى يكون تزوجه بزوج أحدهم بعده تزوجا بزوج ابنه فالخطاب في قوله:"من رجالكم"للناس الموجودين في زمن نزول الآية ، والمراد بالرجال ما يقابل النساء والولدان ونفي الأبوة نفي تكويني لا تشريعي ولا تتضمن الجملة شيئا من التشريع.
والمعنى: ليس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا أحد من هؤلاء الرجال الذين هم رجالكم حتى يكون تزوجه بزوج أحدهم بعده تزوجا منه بزوج ابنه وزيد أحد هؤلاء الرجال فتزوجه بعد تطليقه ليس تزوجا بزوج الابن حقيقة وأما تبنيه زيدا فإنه لا يترتب عليه شيء من آثار الأبوة والبنوة وما جعل أدعياءكم أبناءكم.
وأما القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم فإنهم أبناؤه حقيقة لكنهم ماتوا قبل أن يبلغوا فلم يكونوا رجالا حتى ينتقض الآية وكذا الحسن والحسين وهما ابنا رسول الله فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبض قبل أن يبلغا حد الرجال.
ومما تقدم ظهر أن الآية لا تقتضي نفي أبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) للقاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وكذا للحسنين لما عرفت أنها خاصة بالرجال الموجودين في زمن النزول على نعت الرجولية.
وقوله:"و لكن رسول الله وخاتم النبيين"الخاتم بفتح التاء ما يختم به كالطابع والقالب بمعنى ما يطبع به وما يقلب به والمراد بكونه خاتم النبيين أن النبوة اختتمت به (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا نبي بعده.
وقد عرفت فيما مر معنى الرسالة والنبوة وأن الرسول هو الذي يحمل رسالة من الله إلى الناس والنبي هو الذي يحمل نبأ الغيب الذي هو الدين وحقائقه ولازم ذلك أن يرتفع الرسالة بارتفاع النبوة فإن الرسالة من أنباء الغيب ، فإذا انقطعت هذه الأنباء انقطعت الرسالة.
ومن هنا يظهر أن كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيين يستلزم كونه خاتما للرسل.
وفي الآية إيماء إلى أن ارتباطه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعلقه بكم تعلق الرسالة والنبوة وأن ما فعله كان بأمر من الله سبحانه.
وقوله:"و كان الله بكل شيء عليما"أي ما بينه لكم إنما كان بعلمه.
في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبا وكانت امرأة فيها حدة فأنزل الله"و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة"الآية كلها.
أقول: وفي معناها روايات أخر.
وفيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت أول امرأة هاجرت من النساء فوهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالت إنما أردنا رسول الله فزوجنا عبده فنزلت.
أقول: والروايتان أشبه بالتطبيق منهما بسبب النزول.