و لازم إشفاقهم من عذاب ربهم مع لزومهم الأعمال الصالحة ومجاهدتهم في الله أن لا يثقوا بما يأتون به من الأعمال الصالحة ولا يأمنوا عذاب الله فإن الأمن لا يجامع الخوف.
والملاك في الإشفاق من العذاب أن العذاب على المخالفة فلا منجى منه إلا بالطاعة من النفس ولا ثقة بالنفس إذ لا قدرة لها في ذاتها إلا ما أقدرها الله عليه والله سبحانه مالك غير مملوك ، قال تعالى:"قل فمن يملك من الله شيئا": المائدة 17.
على أن الله سبحانه وإن وعد أهل الطاعة النجاة وذكر أنه لا يخلف الميعاد لكن الوعد لا يقيد إطلاق قدرته فهو مع ذلك قادر على ما يريد ومشيته نافذة فلا أمن بمعنى انتفاء القدرة على ما يخالف الوعد فالخوف على حاله ولذلك نرى أنه تعالى يقول في ملائكته:"يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون"فيصفهم بالخوف وهو يصرح بعصمتهم ، ويقول في أنبيائه:"و يخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله": الأحزاب: 39 ، ويصف المؤمنين في هذه الآية بالإشفاق وهو يعدهم في آخر الآيات بقول جازم فيقول:"أولئك في جنات مكرمون".
قوله تعالى:"إن عذاب ربهم غير مأمون"تعليل لإشفاقهم من عذاب ربهم فيتبين به أنهم مصيبون في إشفاقهم من العذاب وقد تقدم وجهه.
قوله تعالى:"و الذين هم لفروجهم حافظون - إلى قوله - هم العادون"تقدم تفسير الآيات الثلاث في أول سورة المؤمنون.
قوله تعالى:"و الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون"المتبادر من الأمانات أنواع الأمانة التي يؤتمنون عليها من المال وسائر ما يوصى به من نفس أو عرض ورعايتهم لها أن يحفظوها ولا يخونوها قيل: ولكثرة أنواعها جيء بلفظ الجمع بخلاف العهد.
وقيل: المراد بها جميع ما كلفهم الله من اعتقاد وعمل فتعم حقوق الله وحقوق الناس فلو ضيعوا شيئا منها فقد خانوه.
وقيل: كل نعمة أعطاها الله عبده من الأعضاء وغيرها أمانة فمن استعمل شيئا منها في غير ما أعطاه الله لأجله وأذن له في استعماله فقد خانه.
وظاهر العهد عقد الإنسان مع غيره قولا أو فعلا على أمر ورعايته أن يحفظه ولا ينقضه من غير مجوز.
وقيل: العهد كل ما التزم به الإنسان لغيره فإيمان العبد لربه عهد منه عاهد به ربه أن يطيعه في كل ما كلفه به فلو عصاه في شيء مما أمره به أو نهاه عنه فقد نقض عهده.
قوله تعالى:"و الذين هم بشهاداتهم قائمون"الشهادة معروفة ، والقيام بالشهادة عدم الاستنكاف عن تحملها وأداء ما تحمل منها كما تحمل من غير كتمان ولا تغيير ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
قوله تعالى:"و الذين هم على صلاتهم يحافظون"المراد بالمحافظة على الصلاة رعاية صفات كمالها على ما ندب إليه الشرع.
قيل: والمحافظة على الصلاة غير الدوام عليها فإن الدوام متعلق بنفس الصلاة والمحافظة بكيفيتها فلا تكرار في ذكر المحافظة عليها بعد ذكر الدوام عليها.
قوله تعالى:"أولئك في جنات مكرمون"الإشارة إلى المصلين في قوله:"إلا المصلين"وتنكير جنات للتفخيم ، و"في جنات"خبر و"مكرمون"خبر بعد خبر أو ظرف لقوله:"مكرمون".
في تفسير القمي ،:"إذا مسه الشر جزوعا"قال: الشر هو الفقر والفاقة"و إذا مسه الخير منوعا"قال: الغنى والسعة.
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ثم استثنى فقال"إلا المصلين"فوصفهم بأحسن أعمالهم"الذين هم على صلاتهم دائمون"يقول: إذا فرض على نفسه شيئا من النوافل دام عليه.
أقول: قوله: إذا فرض على نفسه"إلخ"استفاد (عليه السلام) هذا المعنى من إضافة الصلاة إلى ضمير"هم"وقد أشرنا إليه فيما مر.
وفي الكافي ، بإسناده إلى الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل:"و الذين هم على صلاتهم يحافظون"قال: هي الفريضة. قلت:"الذين هم على صلاتهم دائمون"قال: هي النافلة.
وفي المجمع ،: في قوله تعالى:"و الذين في أموالهم حق معلوم": وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: الحق المعلوم ليس من الزكاة وهو الشيء الذي تخرجه من مالك إن شئت كل جمعة وإن شئت كل يوم ، ولكل ذي فضل فضله.
قال: وروي عنه أيضا أنه قال: هو أن تصل القرابة وتعطي من حرمك وتصدق على من عاداك.