قوله تعالى:"لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"يريد آية النور وما يتلوها المبينة لصفة نوره تعالى والصراط المستقيم سبيله التي لا سبيل للغضب والضلال إلى من اهتدى إليها كما قال:"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين": الحمد: 7 ، وقد تقدم الكلام فيه في تفسير سورة الحمد.
وتذييل الآية بقوله:"و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"هو الموجب لعدم تقييد قوله:"لقد أنزلنا آيات مبينات"بلفظة إليكم بخلاف قوله قبل آيات:"لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين".
إذ لو قيل: لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات والله يهدي.
تبادر إلى الذهن أن البيان اللفظي هداية إلى الصراط المستقيم وأن المخاطبين عامة مهديون إلى الصراط المستقيم وفيهم المنافق والذين في قلوبهم مرض والله العالم.
في التوحيد ، بإسناده عن العباس بن هلال قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل:"الله نور السماوات والأرض"فقال: هاد لأهل السماوات وهاد لأهل الأرض.
وفي رواية البرقي: هدى من في السماوات وهدى من في الأرض.
أقول إذا كان المراد بالهداية الهداية الخاصة وهي الهداية إلى السعادة الدينية
كان من التفسير بمرتبة من المعنى ، وإن كان المراد بها الهداية العامة وهي إيصال كل شيء إلى كماله انطبق على ما تقدم.
وفي الكافي ، بإسناده عن إسحاق بن جرير قال: سألتني امرأة أن أدخلها على أبي عبد الله (عليه السلام) فاستأذنت لها فأذن لها فدخلت ومعها مولاة لها فقالت له: يا أبا عبد الله قول الله:"زيتونة لا شرقية ولا غربية"ما عنى بهذا؟ فقال لها: أيتها المرأة إن الله لم يضرب الأمثال للشجر إنما ضرب الأمثال لبني آدم.
وفي تفسير القمي ، بإسناده عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) : في هذه الآية"الله نور السماوات والأرض"قال: بدأ بنور نفسه"مثل نوره"مثل هداه في قلب المؤمن"كمشكوة فيها مصباح"والمصباح جوف المؤمن والقنديل قلبه ، والمصباح النور الذي جعله الله في قلبه."يوقد من شجرة مباركة"قال: الشجرة المؤمن"زيتونة لا شرقية ولا غربية"قال: على سواد الجبل لا غربية أي لا شرق لها ، ولا شرقية أي لا غرب لها إذا طلعت الشمس طلعت عليها وإذا غربت غربت عليها"يكاد زيتها يضيء"يكاد النور الذي في قلبه يضيء وإن لم يتكلم."نور على نور"فريضة على فريضة ، وسنة على سنة"يهدي الله لنوره من يشاء"يهدي الله لفرائضه وسننه من يشاء"و يضرب الله الأمثال للناس"فهذا مثل ضربه الله للمؤمن. ثم قال: فالمؤمن يتقلب في خمسة من النور: مدخله نور ، ومخرجه نور ، وعلمه نور ، وكلامه نور ، ومصيره يوم القيامة إلى الجنة نور. قلت لجعفر (عليه السلام) : إنهم يقولون: مثل نور الرب. قال: سبحان الله ليس لله مثل ، قال الله:"فلا تضربوا لله الأمثال".
أقول: الحديث يؤيد ما تقدم في تفسير الآية ، وقد اكتفى (عليه السلام) في تفسير بعض فقرات الآية بذكر بعض المصاديق كالذي ذكره في ذيل قوله:"يكاد زيتها يضيء"وقوله:"نور على نور".
وأما قوله:"سبحان الله ليس لله مثل فإنما ينفي به أن يكون المثل مثلا للنور"
الذي هو اسمه تعالى المحمول عليه فكونه مثلا له تعالى يؤدي إلى الحلول أو الانقلاب تعالى عن ذلك بل هو مثل لنوره المفاض على السماوات والأرض ، وأما الضمير في قوله:"مثل نوره"فلا ضير في رجوعه إليه تعالى مع الاحتفاظ على المعنى الصحيح.
وفي التوحيد ، وقد روي عن الصادق (عليه السلام) : أنه سئل عن قول الله عز وجل:"الله نور السماوات والأرض - مثل نوره كمشكوة فيها مصباح"فقال: هو مثل ضربه الله لنا فالنبي والأئمة (صلى الله عليه وآله وسلم) من دلالات الله وآياته التي يهتدى بها إلى التوحيد ومصالح الدين وشرائع الإسلام والسنن والفرائض ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أقول: الرواية من قبيل الإشارة إلى بعض المصاديق وهو من أفضل المصاديق وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والطاهرون من أهل بيته (عليهم السلام) وإلا فالآية تعم بظاهرها غيرهم من الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء والأولياء.