فهرس الكتاب

الصفحة 2054 من 4314

و ظاهر السياق أن المراد بالبينات الآيات المعجزة التي اقترحتها الأمم على أنبيائهم بعد مجيئهم ودعوتهم وتكذيبهم لهم فأتوا بها وكان فيها القضاء بينهم وبين أممهم ، ويؤيده قوله بعده:"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل"إلخ ، فإن السابق إلى الذهن أنهم جاءوهم بالآيات البينات لكن الله قد كان طبع على قلوبهم لاعتدائهم فلم يكن في وسعهم أن يؤمنوا ثانيا بما كذبوا به أولا.

ولازم ذلك أن يكون تكذيبهم بذلك قبل مجيء الرسل بتلك الآيات البينات فقد كانت الرسل بثوا دعوتهم فيهم ودعوهم إلى توحيد الله فكذبوا به وبهم ثم اقترحوا عليهم آية معجزة فجاءوهم بها فلم يؤمنوا.

وقد أسلفنا بعض البحث عن هذه الآية في تفسير قوله:"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل: الأعراف: - 101 في الجزء الثامن من الكتاب ، وبينا هناك أن في الآية إشارة إلى عالم الذر غير أنه لا ينافي إفادتها لما قدمناه من المعنى آنفا فليراجع."

في الكافي ، عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة عن عبد الله بن محمد الجعفي وعقبة جميعا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق الخلق فخلق من أحب مماأحب فكان مما 1 أحب أن خلقه من طين الجنة وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغضه أن خلقه من طينة النار ثم بعثهم في الظلال ، فقلت: وأي شيء الظلال؟ فقال: أ لم تر إلى ظلك في الشمس شيء وليس بشيء. ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله عز وجل:"و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله"ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين فأقر بعض وأنكر بعض ، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض ، وهو قوله:"ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل". ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) : كان التكذيب من قبل: . أقول: ورواه في العلل ، بإسناده إلى محمد بن إسماعيل عن صالح عن عبد الله وعقبة عنه (عليه السلام) ، ورواه العياشي عن الجعفي عنه (عليه السلام) .

وفي تفسير العياشي ، عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) : خلق الخلق وهم أظلة فأرسل رسوله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فمنهم من آمن به ومنهم من كذبه ثم بعثه في الخلق الآخر فآمن به من كان آمن به في الأظلة وجحده من جحده يومئذ فقال:"ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل".

أقول: قد فصلنا القول في ما يسمى عالم الذر في تفسير قوله تعالى:"و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى"الآية.

وأوضحنا هناك أن آيات الذر تثبت عالما إنسانيا آخر غير هذا العالم الإنساني المادي التدريجي المشوب بالآلام والمصائب والمعاصي والآثام المشهود لنا من طريق الحس.

وهو مقارن لهذا العالم المحسوس نوعا من المقارنة لكنه غير محكوم بهذه الأحكام المادية ، وليس تقدمه على عالمنا هذا تقدما بالزمان بل بنوع آخر من التقدم نظير التقدم المستفاد من قوله:"أن يقول له كن فيكون:"يس: - 82 فإن"كن"و"يكون"يحكيان عن مصداق واحد وهو وجود الشيء خارجا لكن هذا الوجود بعينه بوجهه الذي إلى الله متقدم عليه بوجهه الآخر ، وهو بوجهه الرباني غير تدريجي ولا زماني ولا غائب عن ربه ولا منقطع عنه بخلاف وجهه إلى الخلق على التفصيل الذي تقدم هناك.

والذي أوردناه من الرواية في هذا البحث الروائي تشير إلى عالم الذر كالذي مرت سابقا غير أنها تختص بمزية وهي ما فيها من لطيف التعبير بالظلال فإن بإجادة التأمل في هذا التعبير يتضح المراد أحسن الاتضاح فإن في الأشياء الكونية أمورا هي كالظلال في أنها لازمة لها حاكية لخصوصيات وجودها وآثار وجودها ، ومع ذلك فهي هي وليست هي.

فإنا إذا نظرنا إلى الأشياء وجردنا النظر ومحضناه في كونها صنع الله وفعله المحض غير المنفك منه ولا المنفصل عنه - وهي نظرة حقة واقعية - لم يتحقق فيها إلا التسليم لله والخضوع لإرادته والتذلل لكبريائه والتعلق برحمته وأمر ربوبيته والإيمان بوحدانيته وبما أرسل به رسله وأنزله إليهم من دينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت