فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 4314

2 سورة البقرة - 204 - 207

وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُك قَوْلُهُ في الْحَيَوةِ الدّنْيَا وَيُشهِدُ اللّهَ عَلى مَا في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصامِ (204) وَإِذَا تَوَلى سعَى في الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنّسلَ وَاللّهُ لا يحِب الْفَسادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالاثْمِ فَحَسبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْس الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النّاسِ مَن يَشرِى نَفْسهُ ابْتِغَاءَ مَرْضاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَءُوف بِالْعِبَادِ (207)

تشتمل الآيات على تقسيم آخر للناس من حيث نتائج صفاتهم كما أن الآيات السابقة أعني قوله تعالى: فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا"إلخ"، تشتمل على تقسيم لهم غير أن تلك الآيات تقسمهم من حيث طلب الدنيا أو الآخرة ، وهذه الآيات تقسمهم من حيث النفاق والخلوص في الإيمان فمناسبة الآيات مع آيات حج التمتع ظاهرة.

قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا"إلخ"، أعجبه الشيء - أي راقه وسره ، وقوله: في الحياة الدنيا ، متعلق بقوله: يعجبك ، أي إن الإعجاب في الدنيا من جهة أن هذه الحياة نوع حياة لا تحكم إلا على الظاهر ، وأما الباطن والسريرة فتحت الستر ووراء الحجاب ، لا يشاهده الإنسان وهو متعلق الحياة بالدنيا إلا أن يستكشف شيئا من أمر الباطن من طريق الآثار ويناسبه ما يتلوه: من قوله تعالى: ويشهد الله على ما في قلبه ، والمعنى أنه يتكلم بما يعجبك كلامه ، من ما يشير به إلى رعاية جانب الحق ، والعناية بصلاح الخلق ، وتقدم الدين والأمة وهو أشد الخصماء للحق خصومة وقوله: ألد ، أفعل التفضيل من لد لدودا إذا اشتد خصومة ، والخصام جمع خصم كصعب وصعاب وكعب وكعاب ، وقيل: الخصام مصدر ، ومعنى ألد الخصام أشد خصومة.

قوله تعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها"إلخ"، التولي هو تملك الولاية والسلطان ، ويؤيده قوله تعالى في الآية التالية: أخذته العزة بالإثم ، الدال على أن له عزة مكتسبة بالإثم الذي يأثم به قلبه غير الموافق للسانه ، والسعي هو العمل والإسراع في المشي ، فالمعنى وإذا تمكن هذا المنافق الشديد الخصومة من العمل وأوتي سلطانا وتولى أمر الناس سعى في الأرض ليفسد فيها ، ويمكن أن يكون التولي بمعنى الإعراض عن المخاطبة والمواجهة ، أي إذا خرج من عندك كانت غيبته مخالفة لحضوره ، وتبدل ما كان يظهره من طلب الصلاح والخير إلى السعي في الأرض لأجل الفساد والإفساد.

قوله تعالى: ويهلك الحرث والنسل ، ظاهره أنه بيان لقوله تعالى: ليفسد فيها أي يفسد فيها بإهلاك الحرث والنسل ، ولما كان قوام النوع الإنساني من حيث الحياة والبقاء بالتغذي والتوليد فهما الركنان القويمان اللذان لا غناء عنهما للنوع في حال: أما التوليد فظاهر ، وأما التغذي فإنما يركن الإنسان فيه إلى الحيوان والنبات ، والحيوان يركن إلى النبات ، فالنبات هو الأصل ويستحفظ بالحرث وهو تربية النبات ، فلذلك علق الفساد على الحرث والنسل فالمعنى أنه يفسد في الأرض بإفناء الإنسان وإبادة هذا النوع بإهلاك الحرث والنسل.

قوله تعالى: والله لا يحب الفساد المراد ، بالفساد ليس ما هو فساد في الكون والوجود الفساد التكويني فإن النشأة نشأة الكون والفساد ، وعالم التنازع في البقاء ولا كون إلا بفساد ، ولا حياة إلا بموت ، وهما متعانقان في هذا الوجود الطبيعي في النشأة الطبيعية ، وحاشا أن يبغض الله سبحانه ما هو مقدره وقاضيه.

وإنما هو الفساد المتعلق بالتشريع فإن الله إنما شرع ما شرعه من الدين ليصلح به أعمال عباده فيصلح أخلاقهم وملكات نفوسهم فيعتدل بذلك حال الإنسانية والجامعة البشرية ، وعند ذلك تسعد حياتهم في الدنيا وحياتهم في الآخرة على ما سيجيء بيانه في قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت