فهرس الكتاب

الصفحة 3251 من 4314

و قد نص تعالى أيضا آنفا بأنه آتاه حكما وعلما وأنه من المحسنين ومن المتقين من أمره أن لا تستخفه عصبية قومية أو غضب في غير ما ينبغي أو إعانة ونصرة لمجرم في إجرامه.

وقد كرر"قال"ثلاثا حيث قيل:"قال هذا من عمل الشيطان""قال رب إني ظلمت نفسي""قال رب بما أنعمت علي"وذلك لاختلاف السياق في الجمل الثلاث فالجملة الأولى قضاء منه وحكم ، والجملة الثانية استغفار ودعاء ، والجملة الثالثة عهد والتزام.

قوله تعالى:"فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين"تقييد"أصبح"بقوله:"في المدينة"دليل على أنه بقي في المدينة ولم يرجع إلى قصر فرعون ، والاستصراخ الاستغاثة برفع الصوت من الصراخ بمعنى الصياح ، والغواية إخطاء الصواب خلاف الرشد.

والمعنى: فأصبح موسى في المدينة - ولم يرجع إلى بلاط فرعون - والحال أنه خائف من فرعون ينتظر الشر ففاجأه أن الإسرائيلي الذي استنصره على القبطي بالأمس يستغيث به رافعا صوته على قبطي آخر قال موسى للإسرائيلي توبيخا وتأنيبا: إنك لغوي مبين لا تسلك سبيل الرشد والصواب لأنه كان يخاصم ويقتتل قوما ليس في مخاصمتهم والمقاومة عليهم إلا الشر كل الشر.

قوله تعالى:"فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس"إلى آخر الآية ، ذكر جل المفسرين أن ضمير"قال"للإسرائيلي الذي كان يستصرخه وذلك أنه ظن أن موسى إنما يريد أن يبطش به لما سمعه يعاتبه قبل بقوله:"إنك لغوي مبين"فهاله ما رأى من إرادته البطش فقال:"يا موسى أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس"إلخ ، فعلم القبطي عند ذلك أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس فرجع إلى فرعون فأخبره الخبر فائتمروا بموسى وعزموا على قتله.

وما ذكروه في محله لشهادة السياق بذلك فلا يعبأ بما قيل: إن القائل هو القبطي دون الإسرائيلي ، هذا ومعنى باقي الآية ظاهر.

وفي قوله:"أن يبطش بالذي هو عدو لهما"تعريض للتوراة الحاضرة حيث تذكر أن المتقاتلين هذين كانا جميعا إسرائيليين ، وفيه أيضا تأييد أن القائل:"يا موسى أ تريد"إلخ ، الإسرائيلي دون القبطي لأن سياقه سياق اللوم والشكوى.

قوله تعالى:"و جاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك"إلخ ، الائتمار المشاورة ، والنصيحة خلاف الخيانة.

والظاهر كون قوله:"من أقصى المدينة"قيدا لقوله:"جاء"فسياق القصة يعطي أن الائتمار كان عند فرعون وبأمر منه ، وأن هذا الرجل جاء من هناك وقد كان قصر فرعون في أقصى المدينة وخارجها فأخبر موسى بما قصدوه من قتله وأشار عليه بالخروج من المدينة.

وهذا الاستئناس من الكلام يؤيد ما تقدم أن قصر فرعون الذي كان يسكنه كان خارج المدينة ، ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين"فيه تأييد أنه ما كان يرى قتله القبطي خطأ جرما لنفسه.

في تفسير القمي ، قال: فلم يزل موسى عند فرعون في أكرم كرامة حتى بلغ مبلغ الرجال وكان ينكر عليه ما يتكلم به موسى (عليه السلام) من التوحيد حتى هم به فخرج موسى من عنده ودخل المدينة فإذا رجلان يقتتلان أحدهما يقول بقول موسى والآخر يقول بقول فرعون فاستغاثه الذي من شيعته فجاء موسى فوكز صاحب فرعون فقضى عليه وتوارى في المدينة. فلما كان الغد جاء آخر فتشبث بذلك الرجل الذي يقول بقول موسى فاستغاث بموسى فلما نظر صاحبه إلى موسى قال له. أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ فخلى عن صاحبه وهرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت