فهرس الكتاب

الصفحة 1073 من 4314

و الجواب عن الإشكالين: أن قوله:"من قتل نفسا - إلى قوله - فكأنما قتل الناس جميعا"كناية عن كون الناس جميعا ذوي حقيقة واحدة إنسانية متحدة فيها ، الواحد منهم والجميع فيها سواء ، فمن قصد الإنسانية التي في الواحد منهم فقد قصد الإنسانية التي في الجميع كالماء إذا وزع بين أواني كثيرة فمن شرب من أحد الآنية فقد شرب الماء ، وقد قصد الماء من حيث إنه ماء - وما في جميع الآنية لا يزيد على الماء من حيث إنه ماء - فكأنه شرب الجميع ، فجملة:"من قتل ، إلخ"كناية في صورة التشبيه ، والإشكالان مندفعان ، فإن بناءهما على كون التشبيه بسيطا يزيد فيه وجه الشبه على حسب زيادة المشبه عددا إذ لو سوي حينئذ بين الواحد والجميع فسد المعنى وعرض الإشكال كما لو قيل: الواحد من القوم كالواحد من الأسد والواحد منهم كالجميع في البطش والبسالة.

وأما قوله تعالى:"و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"فالكلام فيه كالكلام في الجملة السابقة ، والمراد بالإحياء ما يعد في عرف العقلاء إحياء كإنقاذ الغريق وإطلاق الأسير ، وقد عد الله تعالى في كلامه الهداية إلى الحق إحياء قال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122 فمن دل نفسا إلى الإيمان فقد أحياها.

وأما قوله تعالى:"و لقد جاءتهم رسلنا بالبينات"فهو معطوف على صدر الآية أي ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات يحذرونهم القتل وكل ما يلحق به من وجوه الفساد في الأرض.

وأما قوله تعالى:"ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون"فهو متمم للكلام ، بانضمامه إليه يستنتج الغرض المطلوب من البيان ، وهو ظهور أنهم قوم مفسدون مصرون على استكبارهم وعتوهم فلقد بينا لهم منزلة القتل وجاءتهم رسلنا فيها وفي غيرها بالبينات ، وبينوا لهم وحذروهم وهم مع ذلك لم ينتهوا عن إصرارهم على العتو والاستكبار فأسرفوا في الأرض قديما ولا يزالون يسرفون.

والإسراف الخروج عن القصد وتجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان ، وإن كان يغلب عليه الاستعمال في مورد الإنفاق كقوله تعالى:"و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما": الفرقان: 67 على ما ذكره الراغب في المفردات ، .

في تفسير العياشي ، عن هشام بن سالم ، عن حبيب السجستاني ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قرب ابنا آدم القربان فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال: تقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل دخله من ذلك حسد شديد ، وبغى على هابيل ، ولم يزل يرصده ويتبع خلوته حتى ظفر به متنحيا من آدم فوثب عليه وقتله ، فكان من قصتهما ما قد أنبأ الله في كتابه مما كان بينهما من المحاورة قبل أن يقتله ، الحديث.

أقول: والرواية من أحسن الروايات الواردة في القصة وهي رواية طويلة يذكر (عليه السلام) فيها: تولد هبة الله شيث لآدم بعد ذلك ووصيته له وجريان أمر الوصية بين الأنبياء ، وسننقلها إن شاء الله في موضع يناسبها ، وظاهرها أن قابيل إنما قتل هابيل غيلة من غير أن يمكنه من نفسه ، كما هو المناسب للاعتبار ، وقد تقدم في البيان المتقدم.

واعلم: أن الذي ضبطته الروايات من اسم الابنين: هابيل وقابيل ، والذي في التوراة الدائرة: هابيل وقايين.

ولا حجة في ذلك لانتهاء سند التوراة إلى واحد مجهول الحال مع ما هي عليه من التحريف الظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت