فهرس الكتاب

الصفحة 3102 من 4314

و الكلام معطوف على قوله:"يزجي"، والمعنى: أ لم تر أن الله ينزل من السماء من البرد المتراكم فيها كالجبال فيصيب به من يشاء فيفسد المزارع والبساتين وربما قتل النفوس والمواشي ويصرفه عمن يشاء فلا يتضررون به يقرب ضوء برقه من أن يذهب بالأبصار.

والآية - على ما يعطيه السياق - مسوقة لتعليل ما تقدم من اختصاصه المؤمنين بنوره ، والمعنى: أن الأمر في ذلك إلى مشيته تعالى كما ترى أنه إذا شاء نزل من السماء مطرا فيه منافع الناس لنفوسهم ومواشيهم ومزارعهم وبساتينهم ، وإذا شاء نزل بردا فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء.

قوله تعالى:"يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار"بيان آخر لرجوع الأمر إلى مشيته تعالى فقط.

وتقليب الليل والنهار تصريفهما بتبديل أحدهما من الآخر ، ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"و الله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع"بيان آخر لرجوع الأمر إلى مشيته تعالى محضا حيث يخلق كل دابة من ماء ثم تختلف حالهم في المشي فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات والديدان ، ومنهم من يمشي على رجلين كالأناسي والطيور ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم والسباع ، واقتصر سبحانه على هذه الأنواع الثلاثة - وفيهم غير ذلك - إيجازا لحصول الغرض بهذا المقدار.

وقوله:"يخلق الله ما يشاء"تعليل لما تقدم من اختلاف الدواب ، مع وحدة المادة التي خلقت منها يبين أن الأمر إلى مشية الله محضا فله أن يعمم فيضا من فيوضه

على جميع خلقه كالنور العام ، والرحمة العامة وله أن يختص بفيض من فيوضه بعضا من خلقه دون بعض كالنور الخاص والرحمة الخاصة.

وقوله:"إن الله على كل شيء قدير"تعليل لقوله:"يخلق الله ما يشاء"فإن إطلاق القدرة على كل شيء يستوجب أن لا يتوقف شيء من الأشياء في كينونته على أمر وراء مشيته وإلا كانت قدرته عليه مشروطة بحصول ذلك الأمر وهذا خلف.

وهذا باب من التوحيد دقيق سيتضح بعض الاتضاح إن شاء الله بما في البحث الآتي.

إنا لا نشك في أن ما نجده من الموجودات الممكنة معلولة منتهية إلى الواجب تعالى وأن كثيرا منها - وخاصة في الماديات - تتوقف في وجودها على شروط لا تحقق لها بدونها كالإنسان الذي هو ابن فإن لوجوده توقفا على وجود الوالدين وعلى شرائط أخرى كثيرة زمانية ومكانية ، وإذ كان من الضروري كون كل مما يتوقف عليه جزء من علته التامة كان الواجب تعالى على هذا جزء علته التامة لا علة تامة وحدها.

نعم هو بالنسبة إلى مجموع العالم علة تامة إذ لا يتوقف على شيء غيره وكذا الصادر الأول الذي تتبعه بقية أجزاء المجموع ، وأما سائر أجزاء العالم فإنه تعالى جزء علته التامة ضرورة توقفه على ما هو قبله من العلل وما هو معه من الشرائط والمعدات.

هذا إذا اعتبرنا كل واحد من الأجزاء بحياله ثم نسبنا وحده إلى الواجب تعالى.

وهاهنا نظر آخر أدق وهو أن الارتباط الوجودي الذي لا سبيل إلى إنكاره بين كل شيء وبين علله الممكنة وشروطه ومعداته يقضي بنوع من الاتحاد والاتصال بينها فالواحد من الأجزاء ليس مطلقا منفصلا بل هو في وجوده المتعين مقيد بجميع ما يرتبط به متصل الهوية بغيرها.

فالإنسان الابن الذي كنا نعتبره في المثال المتقدم بالنظر السابق موجودا مستقلا مطلقا فنجده متوقفا على علل وشروط كثيرة والواجب تعالى أحدها يعود بحسب هذه النظرة هوية مقيدة بجميع ما كان يعتبر توقفه عليه من العلل والشرائط غير الواجب

تعالى فحقيقة زيد مثلا هو الإنسان ابن فلان وفلانة المتولد في زمان كذا ومكان كذا المتقدم عليه كذا وكذا المقارن لوجوده كذا وكذا من الممكنات.

فهذه هو حقيقة زيد مثلا ومن الضروري أن ما حقيقته ذلك لا تتوقف على شيء غير الواجب فالواجب هو علته التامة التي لا توقف له على غيره ، ولا حاجة له إلى غير مشيته ، وقدرته تعالى بالنسبة إليه مطلقة غير مشروطة ولا مقيدة ، وهو قوله تعالى:"يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت