فهرس الكتاب

الصفحة 3210 من 4314

نبذة من قصص داود وسليمان (عليهما السلام) وفيها شيء من عجائب أخبار سليمان بما آتاه الله من الملك.

قوله تعالى:"و لقد آتينا داود وسليمان علما"إلخ ، في تنكير العلم إشارة إلى تفخيم أمره ، ومما أشير فيه إلى علم داود من كلامه تعالى قوله:"و آتيناه الحكمة وفصل الخطاب": (صلى الله عليه وآله وسلم) : 20.

ومما أشير فيه إلى علم سليمان قوله:"ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما": الأنبياء: 79 ، وذيل الآية يشملهما جميعا.

وقوله:"و قالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين"المراد بالتفضيل إما التفضيل بالعلم على ما ربما يؤيده سياق الآية ، وإما التفضيل بمطلق ما خصهما الله به من المواهب كتسخير الجبال والطير لداود وتليين الحديد له وإيتائه الملك ، وتسخير الجن والوحش والطير وكذا الريح لسليمان وتعليمه منطق الطير وإيتائه الملك على ما يستدعيه إطلاق التفضيل.

والآية أعني قوله:"و قالا الحمد لله"إلخ ، على أي حال بمنزلة حكاية اعترافهما على التفضيل الإلهي فيكون كالشاهد على المدعى الذي تشير إليه بشارة صدر السورة أن الله سبحانه سيخص المؤمنين بما تقر به عيونهم ومثلها ما سيأتي من اعترافات سليمان في مواضع من كلامه.

قوله تعالى:"و ورث سليمان داود"إلخ ، أي ورثه ماله وملكه ، وأما قول بعضهم: المراد به وراثة النبوة والعلم ففيه أن النبوة لا تقبل الوراثة لعدم قبولها الانتقال ، والعلم وإن قبل الانتقال بنوع من العناية غير أنه إنما يصح في العلم الفكري الاكتسابي والعلم الذي يختص به الأنبياء والرسل كرامة من الله لهم وهبي ليس مما يكتسب بالفكر فغير النبي يرث العلم من النبي لكن النبي لا يرث علمه من نبي آخر ولا من غير نبي.

وقوله:"و قال يا أيها الناس علمنا منطق الطير"ظاهر السياق أنه (عليه السلام) يباهي عن نفسه وأبيه وهو منه (عليه السلام) تحديث بنعمة الله كما قال تعالى:"و أما بنعمة ربك فحدث": الضحى: 11 ، وأما إصرار بعض المفسرين على أن الضمير في قوله:"علمنا"و"أوتينا"لنفسه لا له ولأبيه على ما هو عادة الملوك والعظماء في الإخبار عن أنفسهم - فإنهم يخبرون عنهم وعن خدمهم وأعوانهم رعاية لسياسة الملك - فالسياق السابق لا يساعد عليه كل المساعدة.

والمراد بالناس ظاهر معناه وهو عامة المجتمعين من غير تميز لبعضهم من بعض وقول بعضهم إن المراد بهم عظماء أهل مملكته أو علماؤهم غير سديد.

والمنطق والنطق على ما نتعارفه هو الصوت أو الأصوات المؤلفة الدالة بالوضع على معان مقصودة للناطق المسماة كلاما ولا يكاد يقال - على ما ذكره الراغب - إلا للإنسان لكن القرآن الكريم يستعمله في معنى أوسع من ذلك وهو دلالة الشيء على معنى مقصود لنفسه ، قال تعالى:"و قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء": حم السجدة: 21 ، وهو إما من باب تحليل المعنى كما يستعمله القرآن في أغلب المعاني والمفاهيم المقصورة في الاستعمالات على المصاديق الجسمانية المادية كالرؤية والنظر والسمع واللوح والقلم والعرش والكرسي وغيرها ، وإما لأن للفظ معنى أعم واختصاصه بالإنسان من باب الانصراف لكثرة الاستعمال.

وكيف كان فمنطق الطير هو ما تدل به الطير بعضها على مقاصدها ، والذي نجده عند التأمل في أحوالها الحيوية هو أن لكل صنف أو نوع منها أصواتا ساذجة خاصة في حالاتها الخاصة الاجتماعية حسب تنوع اجتماعاتها كحال الهياج للسفاد وحال المغالبة والغلبة وحال الوحشة والفزع وحال التضرع أو الاستغاثة إلى غير ذلك ونظير الطير في ذلك سائر الحيوان.

لكن لا ينبغي الارتياب في أن المراد بمنطق الطير في الآية معنى أدق وأوسع من ذلك.

أما أولا: فلشهادة سياق الآية على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدث عن أمر اختصاصي ليس في وسع عامة الناس أن ينالوه وإنما ناله بعناية خاصة إلهية ، وهذا المقدار المذكور من منطق الطير مما يسع لكل أحد أن يطلع عليه ويعرفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت