فهرس الكتاب

الصفحة 3211 من 4314

و أما ثانيا: فلأن ما حكاه الله تعالى في الآيات التالية من محاورة سليمان والهدهد يتضمن معارف عالية متنوعة لا يسع لما نجده عند الهدهد من الأصوات المعدودة أن تدل عليها بتميز لبعضها من بعض ففي كلام الهدهد ذكر الله سبحانه ووحدانيته وقدرته وعلمه وربوبيته وعرشه العظيم وذكر الشيطان وتزيينه الأعمال والهدى والضلال وغير ذلك ، وفيه ذكر الملك والعرش والمرأة وقومها وسجدتهم للشمس ، وفي كلام

سليمان أمره بالذهاب بالكتاب وإلقائه إليهم ثم النظر فيما يرجعون ، وهذه كما لا يخفى على الباحث في أمر المعاني المتعمق فيها معارف جمة لها أصول عريقة يتوقف الوقوف عليها على ألوف وألوف من المعلومات ، وأنى تفي على إفادة تفصيلها أصوات ساذجة معدودة.

على أنه لا دليل على أن كل ما يأتي بها الحيوان في نطقه من الأصوات أو خصوصيات الصوت يفي حسنا بإدراكه أو تمييزه ، ويؤيده ما نقل من قول النملة في الآيات التالية وهو من منطق الحيوان قطعا ولا صوت للنملة يناله سمعنا ويؤيده أيضا ما يراه علماء الطبيعة اليوم أن الذي يناله سمع الإنسان من الصوت عدد خاص من الارتعاش المادي وهو ما بين ستة عشر ألفا إلى اثنين وثلاثين ألفا في الثانية ، وأن الخارج من ذلك في جانبي القلة والكثرة لا يقوى عليه سمع الإنسان وربما ناله سائر الحيوان أو بعضها.

وقد عثر العلماء الباحثون عن الحيوان من عجيب الفهم ولطيف الإدراك عند أنواع من الحيوان كالفرس والكلب والقرد والدب والزنبور والنملة وغيرها على أمور لا يكاد يعثر على نظائرها عند أكثر أفراد الإنسان.

وقد تبين بما مر أن ظاهر السياق أن للطير منطقا علمه الله سليمان ، وظهر به فساد قول من قال إن نطق الطير كان معجزة لسليمان وأما هي في نفسها فليس لها نطق هذا.

وقوله:"و أوتينا من كل شيء"أي أعطينا من كل شيء و"كل شيء"وإن كان شاملا لجميع ما يفرض موجودا - لأن مفهوم شيء من أعم المفاهيم وقد دخل عليه كلمة الاستغراق - لكن لما كان المقام مقام التحديث بالنعمة ولا كل نعمة بل النعم التي يمكن أن يؤتاها الإنسان فيتنعم بها تقيد به معنى كل شيء وكان معنى الجملة: وأعطانا الله من كل نعمة يمكن أن يعطاها الإنسان فيتنعم بها مقدارا معتدا به كالعلم والنبوة والملك والحكم وسائر النعم المعنوية والمادية.

وقوله:"إن هذا لهو الفضل المبين"شكر وتأكيد للتحديث بالنعمة من غير عجب ولا كبر واختيال لإسناده الجميع إلى الله بقوله:"علمنا"و"أوتينا"،

واحتمل بعضهم أن تكون الجملة من كلام الله سبحانه لا من كلام سليمان والسياق يأباه.

قوله تعالى:"و حشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون"الحشر هو جمع الناس وإخراجهم لأمر بإزعاج والوزع المنع وقيل الحبس ، والمعنى كما قيل: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يمنعون من التفرق واختلاط كل جمع بآخر برد أولهم إلى آخرهم وحبس كل في مكانه.

ويستفاد من الآية أنه كان له جنود من الجن والطير يسيرون معه كجنوده من الإنس.

وكلمة الحشر ووصف المحشورين بأنهم جنود ، وسياق الآيات التالية كل ذلك دليل على أن جنوده كانوا طوائف خاصة من الجن والإنس والطير سواء كانت"من"في الآية للتبعيض أو للبيان.

وقد أغرب في التفسير الكبير ، فزعم أن الآية تدل على أن جميع الجن والإنس والطير كانوا جنوده وقد ملك الأرض كلها وأن الله تعالى جعل الطير في زمانه عقلاء مكلفين ثم عادت بعد زمانه على ما كانت عليه قبله وقال بمثله في النملة التي تكلمت ، قال في تفسير الآية: والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ، ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده ، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف ، فلذلك قلنا: إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره.

انتهى.

ووجوه التحكم فيه غنية عن البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت