11 سورة هود - 100 - 108
ذَلِك مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَى نَقُصهُ عَلَيْك مِنهَا قَائمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظلَمْنَهُمْ وَلَكِن ظلَمُوا أَنفُسهُمْ فَمَا أَغْنَت عَنهُمْ ءَالِهَتهُمُ الّتى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شىْءٍ لّمّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّك وَمَا زَادُوهُمْ غَيرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِك أَخْذُ رَبِّك إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظلِمَةٌ إِنّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شدِيدٌ (102) إِنّ في ذَلِك لاَيَةً لِّمَنْ خَاف عَذَاب الاَخِرَةِ ذَلِك يَوْمٌ مجْمُوعٌ لّهُ النّاس وَذَلِك يَوْمٌ مّشهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مّعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكلّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شقِىّ وَسعِيدٌ (105) فَأَمّا الّذِينَ شقُوا فَفِى النّارِ لهَُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشهِيقٌ (106) خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السمَوَت وَالأَرْض إِلا مَا شاءَ رَبّك إِنّ رَبّك فَعّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (107) وَأَمّا الّذِينَ سعِدُوا فَفِى الجَْنّةِ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السمَوت وَالأَرْض إِلا مَا شاءَ رَبّك عَطاءً غَيرَ مجْذُوذٍ (108)
فيها رجوع إلى القصص السابقة بنظر كلي يلخص سنة الله في عباده وما يستتبعه الشرك في الأمم الظالمة من الهلاك في الدنيا والعذاب الخالد في الآخرة ليعتبر بذلك أهل الاعتبار.
قوله تعالى:"ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد"الإشارة إلى ما تقدم من القصص ، ومن تبعيضية أي الذي قصصناه عليك هو بعض أخبار المدائن والبلاد أو أهلهم نقصه عليك.
وقوله:"منها قائم وحصيد"الحصد قطع الزرع ، شبهها بالزرع يكون قائما ويكون حصيدا ، والمعنى إن كان المراد بالقرى نفسها أن من القرى التي قصصنا أنباءها عليك ما هو قائم لم تذهب بقايا آثارها التي تدل عليها بالمرة كقرى قوم لوط حين نزول قصتهم في القرآن كما قال:"و لقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون": العنكبوت: 35 وقال:"و إنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أ فلا تعقلون": الصافات: 138 ، ومنها ما انمحت آثاره وانطمست أعلامه كقرى قوم نوح وعاد.
وإن كان المراد بالقرى أهلها فالمعنى أن من تلك الأمم والأجيال من هو قائم لم يقطع دابرهم البتة كأمة نوح وصالح ، ومنهم من قطع الله دابرهم كقوم لوط لم ينج منهم إلا أهل بيت لوط ولم يكن لوط منهم.
قوله تعالى:"و ما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم"إلى آخر الآية ، أي ما ظلمناهم في إنزال العذاب عليهم وإهلاكهم إثر شركهم وفسوقهم ولكن ظلموا أنفسهم حين أشركوا وخرجوا عن زي العبودية ، وكلما كان عمل وعقوبة عليه كان أحدهما ظلما إما العمل وإما العقوبة عليه فإذا لم تكن العقوبة ظلما كان الظلم هو العمل استتبع العقوبة.
فمحصل القول أنا عاقبناهم بظلمهم ولذا عقبه بقوله:"فما أغنت عنهم آلهتهم"إلخ... لأن محصل النظم أخذناهم فما أغنت عنهم آلهتهم ، فالمفرع عليه هو الذي يدل عليه قوله:"و ما ظلمناهم"إلخ ، والمعنى أخذناهم فلم يكفهم في ذلك آلهتهم ، التي كانوا يدعونها من دون الله لتجلب إليهم الخير وتدفع عنهم الشر ، ولم تغنهم شيئا لما جاء أمر ربك وحكمه بأخذهم أو لما جاء عذاب ربك.
وقوله:"و ما زادوهم غير تتبيب"التتبيب التدمير والإهلاك من التب وأصله القطع لأن عبادتهم الأصنام كان ذنبا مقتضيا لعذابهم ولما أحسوا بالعذاب والبؤس فالتجئوا إلى الأصنام ودعوها لكشفه ودعاؤها ذنب آخر زاد ذلك في تشديد العذاب عليهم وتغليظ العقاب لهم فما زادوهم غير هلاك.
ونسبة التتبيب إلى آلهتهم مجاز وهو منسوب في الحقيقة إلى دعائهم إياها ، وهو عمل قائم بالحقيقة بالداعي لا بالمدعو.
قوله تعالى:"و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد"الإشارة إلى ما تقدم من أنباء القرى ، وذلك بعض مصاديق أخذه تعالى بالعقوبة قاس به مطلق أخذه القرى في أنه أليم شديد ، وهذا من قبيل التشبيه الكلي ببعض مصاديقه في الحكم للدلالة على أن الحكم عام شامل لجميع الأفراد وهو نوع من فن التشبيه شائع وقوله:"إن أخذه أليم شديد"بيان لوجه الشبه وهو الألم والشدة.