فهرس الكتاب

الصفحة 2202 من 4314

و المعنى كما أخذ الله سبحانه هؤلاء الأمم الظالمة: قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون أخذا أليما شديدا ، كذلك يأخذ سائر القرى الظالمة إذا أخذها فليعتبر بذلك المعتبرون.

قوله تعالى:"إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة"إلى آخر الآية الإشارة إلى ما أنبأه الله من قصص تلك القرى الظالمة التي أخذها بظلمها أخذا أليما شديدا.

وأنبأ أن أخذه كذلك يكون ، وفي ذلك آية لمن خاف عذاب الحياة الآخرة وعلامة تدل على أن الله سبحانه وتعالى سيأخذ في الآخرة المجرمين بأجرامهم ، وإن أخذه سيكون أليما شديدا فيوجب اعتباره بذلك وتحرزه مما يستتبع سخط الله تعالى.

وقوله:"ذلك يوم مجموع له الناس"أي ذلك اليوم الذي يقع فيه عذاب الآخرة يوم مجموع له الناس فالإشارة إلى اليوم الذي يدل عليه ذكر عذاب الآخرة ،"و لذلك أتي بلفظ المذكر"كما قيل ، ويمكن أن يكون تذكير الإشارة ليطابق المبتدأ الخبر.

ووصف اليوم الآخر بأنه مجموع له الناس دون أن يقال.

سيجمع أو يجمع له الناس إنما هو للدلالة على أن جمع الناس له من أوصافه المقضية له التي تلزمه ولا تفارقه من غير أن يحتاج إلى الإخبار عنه بخبر.

فمشخص هذا اليوم أن الناس مجموعون لأجله - واللام للغاية - فلليوم شأن من الشأن لا يتم إلا بجمع الناس بحيث لا يغادر منهم أحد ولا يتخلف عنه متخلف: وللناس شأن من الشأن يرتبط به كل واحد منهم بالجميع ، ويمتزج فيه الأول مع الآخر والآخر مع الأول ويختلط فيه الكل بالبعض والبعض بالكل ، وهو حساب أعمالهم من جهة الإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، وبالجملة من حيث السعادة والشقاوة.

فإن من الواضح أن العمل الواحد من إنسان واحد يرتضع من جميع أعماله السابقة المرتبطة بأحواله الباطنة ، ويرتضع منه جميع أعماله اللاحقة المرتبطة أيضا بما له من الأحوال القلبية ، وكذلك عمل الواحد بالنسبة إلى أعمال من معه من بني نوعه من حيث التأثير والتأثر ، وكذلك أعمال الأولين بالنسبة إلى أعمال الآخرين وأعمال اللاحقين بالنسبة إلى أعمال السابقين ، وفي المتقدمين أئمة الهدى والضلال المسئولون عن أعمال المتأخرين ، وفي المتأخرين الأتباع والأذناب المسئولون عن غرور متبوعيهم المتقدمين ، قال تعالى:"فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين": الأعراف 6 ، وقال:"و نكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين": يس: 12.

ثم الجزاء لا يتخلف الحكم الفصل.

وهذا الشأن على هذا النعت لا يتم إلا باجتماع من الناس بحيث لا يشذ منهم شاذ.

ومن هنا يظهر أن مسألة الآحاد من الناس في قبورهم وجزاءهم فيها بشيء من الثواب والعقاب على ما تشير إليه آيات البرزخ وتذكره بالتفصيل الأخبار الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) غير ما أخبر الله تعالى به من حساب يوم القيامة والجزاء المقضي به هناك من الجنة والنار الخالدتين فإن الذي يستقبل الإنسان في البرزخ هو المسألة لتكميل صحيفة أعماله ليدخر لفصل القضاء يوم القيامة ، وما يسكن فيه في البرزخ من جنة أو نار إنما هو كالنزل المعجل للنازل المتهيء للقاء والحكم ، وليس ما هناك حسابا تاما ولا حكما فصلا ولا جزاء قاطعا كما يشير إليه نظائر قوله.

"النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب": المؤمن: 46 ، وقوله:"يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون": المؤمن: 72 فترى الآية تعبر عن عذابهم بالعرض على النار ثم يوم القيامة بدخولها وهو أشد العذاب ، وتعبر عن عذابهم بالسحب في الحميم ثم بالسجر في النار وهو الاشتعال وقوله تعالى:"بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون": آل عمران: 170 فالآية صريحة في عالم القبر ولم تذكر حسابا ولا جنة الخلد وإنما ذكرت شيئا من التنعم إجمالا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت