و قد ظهر مما تقدم أن"من"في قوله:"من كل ما سألتموه"ابتدائية تفيد أن الذي يؤتيه الله مأخوذ مما سألوه سواء كان جميع ما سألوه كما في بعض الموارد أو بعضه كما في بعضها الآخر ، ولو كانت من تبعيضية لأفادت أنه تعالى يؤتي في كل سؤال بعض المسئول والواقع خلافه كما أنه لو قيل: وآتاكم كل ما سألتموه أفاد إيتاء الجميع وليس كذلك ولو قيل: مما سألتموه أفاد أن من الجائز أن لا يستجاب بعض الأدعية ويرد بعض الأسئلة من أصله والآية - وهي في مقام الامتنان - تأبى ذلك.
فبالجملة معنى الآية أن الله تعالى أعطى النوع الإنساني ما سأله فما من حاجة من حوائجه إلا رفع كلها أو بعضها حسب ما تقتضيه حكمته البالغة.
وربما قيل: إن تقدير الكلام: وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه وهو مبني على كون المراد بالسؤال هو السؤال اللفظي وقد تقدم خلافه ، وسياق الآية لا يساعد عليه.
وقوله:"و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"قال الراغب: الإحصاء: التحصيل بالعدد يقال: أحصيت كذا وذلك من لفظ الحصى واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا فيه على الأصابع.
انتهى.
وفي الجملة إشارة إلى خروج النعم عن طوق الإحصاء ولازمه كون حوائج الإنسان التي رفعها الله بنعمه غير مقدور للإنسان إحصاؤها.
وكيف يمكن إحصاء نعمه تعالى وعالم الوجود بجميع أجزائه وما يلحق بها من الأوصاف والأحوال مرتبطة منتظمة نافع بعضها في بعض متوقف بعضها على بعض ، فالجميع نعمه بالنسبة إلى الجميع وهذا أمر لا يحيط به إحصاء.
ولعل ذلك هو السر في إفراد النعمة في قوله:"نعمة الله"فإن الحق أن ليس هناك إلا النعمة فلا حاجة إلى تفخيمها بالجمع ليدل على الكثرة ، والمراد بالنعمة جنس المنعم فيفيد ما يفيده الجمع.
وقوله:"إن الإنسان لظلوم كفار"أي كثير الكفران يظلم نفسه فلا يشكر نعمة الله ويكفر بها فيؤديه ذلك إلى البوار والخسران ، أو كثير الظلم لنعم الله لا يشكرها ويكفر بها ، والجملة استئناف بياني يؤكد بها ما يستفاد من البيان السابق ، فإن الواقف على ما مر بيانه من حال نعمه تعالى وما آتى الإنسان من كل ما سأله منها لا يرتاب في أن الإنسان وهو غافل عنها طبعا ظالم لنفسه كافر بنعمة ربه.
في الدر المنثور ، أخرج الترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حيان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس قال: أتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقناع من بسر فقال:"مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة حتى بلغ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. قال: هي النخلة. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة - حتى بلغ ما لها من قرار. قال: هي الحنظلة."
أقول: وكون الشجرة الطيبة هي النخلة مروي في عدة روايات عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي لا تدل على أزيد من انطباق المثل عليها ، وذيل الرواية ينافي الرواية التالية.
وفيه ، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قعد ناس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكروا هذه الآية: اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فقالوا: يا رسول الله نراه الكمأة ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم.
أقول: والكلام يجري في الحنظلة فإن لها خواص طبية هامة.
وفيه ، أخرج البيهقي في سننه عن علي قال: الحين ستة أشهر.
أقول: والكلام فيه كالكلام في سابقه.
وفي الكافي ، بإسناده عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله:"كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء"قال: فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصلها وأمير المؤمنين فرعها والأئمة من ذريتهما أغصانها وعلم الأئمة ثمرتها وشيعتهم المؤمنون ورقها هل في هذا فضل؟ قال: قلت: لا والله. قال: والله إن المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها ، وإن المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها.