و أما الثالث فلأن ملاك خيرية الشيء الكمال وعنده تعالى جميع صفات الكمال القاضية بخيريته المطلقة فناسب التعبير بالعلم الدال على الذات المستجمعة لجميع صفات الكمال ، وعلى هذا فالكلام في المقامات الثلاثة على بساطته ظاهرا مشتمل على الحجة على المدعى والمعنى بالحقيقة: لن نؤثرك على الذي فطرنا ، لأنه فطرنا وإنا آمنا بربنا لأنه ربنا والله خير لأنه الله عز اسمه.
قوله تعالى:"إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى"تعليل لجعل غفران الخطايا غاية للإيمان بالله أي لأن من لم يغفر خطاياه كان مجرما ومن يأت ربه مجرما"إلخ".
قوله تعالى:"و من يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى"إلى آخر الآية التالية: الدرجة - على ما ذكره الراغب - هي المنزلة لكن يعتبر فيها الصعود كدرجات السلم وتقابلها الدركة فهي المنزلة حدورا ولذا يقال درجات الجنة ودركات النار ، والتزكي هو التنمي بالنماء الصالح والمراد به أن يعيش الإنسان باعتقاد حق وعمل صالح.
والآيتان تصفان ما يستتبعه الإيمان والعمل الصالح كما كانت الآية السابقة تصف ما يستتبعه الإجرام الحاصل بكفر أو معصية والآيات الثلاث الواصفة لتبعة الإجرام والإيمان ناظرة إلى وعيد فرعون ووعده لهم فقد أوعدهم فرعون على إيمانهم لموسى بالقطع والصلب وادعى أنه أشد العذاب وأبقاه فقابلوه بأن للمجرم عند ربه جهنم لا يموت فيها ولا يحيى لا يموت فيها حتى ينجو من مقاساة ألم عذابها لكن منتهى عذاب الدنيا الموت وفيه نجاة المجرم المعذب ، ولا يحيى فيها إذ ليس فيها شيء مما تطيب به الحياة ولا خير مرجوا فيها حتى يقاسى العذاب في انتظاره.
ووعدهم قبل ذلك المنزلة بجعلهم من مقربيه والأجر كما حكى الله تعالى:"قالوا ء إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين": الأعراف: 114 فقابلوا ذلك بأن من يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك - وفي الإشارة البعيدة تفخيم شأنهم - لهم الدرجات العلى - وهذا يقابل وعد فرعون لهم بالتقريب - جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، ذلك جزاء من تزكى - بالإيمان والعمل الصالح وهذا يقابل وعده لهم بالأجر.
قوله تعالى:"و لقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا - إلى قوله - وما هدى".
الإسراء السير بالليل والمراد بعبادي بنو إسرائيل وقوله:"فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا"قيل المراد الضرب بالعصا كما يدل عليه كلامه تعالى في غير هذا الموضع وأن"طريقا"مفعول به لأضرب على الاتساع وهو مجاز عقلي والأصل اضرب البحر ليكون لهم طريقا.
انتهى.
ويمكن أن يكون المراد بالضرب البناء والإقامة من باب ضربت الخيمة وضربت القاعدة.
واليبس - على ما ذكره الراغب - المكان الذي كان فيه ماء ثم ذهب ، والدرك بفتحتين تبعة الشيء ، وفي نسبة الغشيان إلى ما الموصولة المبهمة وجعله صلة لها أيضا من تمثيل هول الموقف ما لا يخفى ، قيل: وفي قوله:"و أضل فرعون قومه وما هدى"تكذيب لقول فرعون لقومه فيما خاطبهم:"و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد:"المؤمن: 29 ، وعلى هذا فقوله:"و ما هدى"ليس تأكيدا وتكرارا لمعنى قوله:"و أضل فرعون قومه".
في نهج البلاغة ، قال (عليه السلام) : لم يوجس موسى خيفة على نفسه بل أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال.
أقول: معناه ما قدمناه في تفسير الآية.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا أخذتم الساحر فاقتلوه. ثم قرأ:"و لا يفلح الساحر حيث أتى"، قال: لا يأمن حيث وجد.
أقول: وفي انطباق المعنى المذكور في الحديث على الآية بما لها من السياق خفاء.