قوله تعالى:"إنما أنت منذر من يخشاها"أي إنما كلفناك بإنذار من يخشى الساعة دون الإخبار بوقت قيام الساعة حتى تجيبهم عن وقتها إذا سألوك عنه فالقصر في الآية قصر إفراد بقصر شأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإنذار وتنفي عنه العلم بالوقت وتعيينه لمن يسأل عنه.
والمراد بالخشية على ما يناسب المقام الخوف منها إذا ذكر بها أي شأنية الخشية لا فعليتها قبل الإنذار.
قوله تعالى:"كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها"بيان لقرب الساعة بحسب التمثيل والتشبيه بأن قرب الساعة من حياتهم الدنيا بحيث مثلهم حين يرونها مثلهم لو لبثوا بعد حياتهم في الأرض عشية أو ضحى تلك العشية أي وقتا نسبته إلى نهار واحد نسبة العشية إلى ما قبلها منه أو نسبة الضحى إلى ما قبله منه.
وقد ظهر بما تقدم أن المراد باللبث لبث ما بين الحياة الدنيا والبعث أي لبثهم في القبور لأن الحساب يقع على مجموع الحياة الدنيا.
وقيل: المراد به اللبث بين حين سؤالهم عن وقتها وبين البعث وفيه أنهم إنما يشاهدون لبثهم على هذه الصفة عند البعث والبعث الذي هو الإحياء بعد الموت إنما نسبته إلى الموت الذي قبله دون مجموع الموت وبعض الحياة التي بين زمان السؤال عن الوقت وزمان الموت.
على أنه لا يلائم ظواهر سائر الآيات المتعرضة للبثهم قبل البعث كقوله تعالى"قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين": المؤمنون: 112.
وقيل: المراد باللبث اللبث في الدنيا وهو سخيف.
في تفسير القمي ،:"و أما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة هي المأوى"قال: هو العبد إذا وقف على معصية الله وقدر عليها ثم تركها مخافة الله ونهي الله ونهى النفس عنها فمكافاته الجنة ، قوله"يسألونك عن الساعة أيان مرساها"قال: متى تقوم؟ فقال الله:"إلى ربك منتهاها"أي علمها عند الله ، قوله"كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها"قال: بعض يوم.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: إن مشركي مكة سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: متى تقوم الساعة استهزاء منهم فنزلت"يسألونك عن الساعة أيان مرساها"الآيات.
وفيه ، أخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: ما زال رسول الله يسأل عن الساعة حتى أنزل عليه"فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها"فلم يسأل عنها.
أقول: ورواه أيضا عن عدة من أصحاب الكتب عن عروة مرسلا ، ورواه أيضا عن عدة منهم عن شهاب بن طارق عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : مثله ، والسياق لا يلائم كونه جوابا عن سؤال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفي بعض الروايات: كانت الأعراب إذا قدموا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سألوه عن الساعة فينظر إلى أحدث إنسان فيهم فيقول: إن يعش هذا قرنا قامت عليكم ساعتكم: رواها في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن عائشة.
وهي من التوقيت الذي يجل عنه ساحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أوحي إليه في كثير من السور القرآنية سيما المكية أن علم الساعة يختص به تعالى لا يعلمه إلا هو وأمر أن يجيب من سأله عن وقتها بنفي العلم به عن نفسه.