7 سورة الأعراف - 94 - 102
وَمَا أَرْسلْنَا في قَرْيَةٍ مِّن نّبىٍ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْساءِ وَالضرّاءِ لَعَلّهُمْ يَضرّعُونَ (94) ثُمّ بَدّلْنَا مَكانَ السيِّئَةِ الحَْسنَةَ حَتى عَفَوا وّ قَالُوا قَدْ مَس ءَابَاءَنَا الضرّاءُ وَالسرّاءُ فَأَخَذْنَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَهُم بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيهُم بَأْسنَا بَيَتًا وَهُمْ نَائمُونَ (97) أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسنَا ضحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَ فَأَمِنُوا مَكرَ اللّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكرَ اللّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ (99) أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لّوْ نَشاءُ أَصبْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسمَعُونَ (100) تِلْك الْقُرَى نَقُص عَلَيْك مِنْ أَنبَائهَا وَلَقَدْ جَاءَتهُمْ رُسلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كذّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِك يَطبَعُ اللّهُ عَلى قُلُوبِ الْكفِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لأَكثرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكثرَهُمْ لَفَسِقِينَ (102)
الآيات متصلة بما قبلها ، وهي تلخص القول في قصص الأمم الغابرة فتذكر أن أكثرهم كانوا فاسقين خارجين عن زي العبودية لم يفوا بالعهد الإلهي والميثاق الذي أخذ منهم لأول يوم ، وتبين أن ذلك كان هو السبب في وقوعهم في مجرى سنن خاصة إلهية يتبع بعضها بعضا ، وهي أن الله سبحانه كان كلما أرسل إليهم نبيا من أنبيائه يمتحنهم ويختبرهم بالبأساء والضراء فكانوا يعرضون عن آيات الله التي كانت تدعوهم إلى الرجوع إلى الله والتضرع والإنابة إليه ، ولا ينتبهون بهاتيك المنبهات ، وهذه سنة.
وإذا لم ينفع ذلك بدلت هذه السنة بسنة أخرى ، وهي الطبع على قلوبهم بتقسيتها وصرفها عن الحق ، وتعليقها بالشهوات المادية وزينات الحياة الدنيا وزخارفها ، وهذه سنة المكر.
ثم تتبعها سنة ثالثة وهي الاستدراج ، وهي بتبديل السيئة حسنة ، والنقمة نعمة والبأساء والضراء ، سراء ، وفي ذلك تقريبهم يوما فيوما وساعة فساعة إلى العذاب الإلهي حتى يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون به لأنهم كانوا يرون أنفسهم في مهد الأمن والسلام فرحين بما عندهم من العلم ، وما في اختيارهم من الوسائل الكافية على زعمهم في دفع ما يهددهم بهلاك أو يؤذنهم بالزوال.
وقد أشار الله سبحانه في خلال هذه الآيات إلى حقيقة ناصعة هي المدار الذي يدور عليه أساس نزول النعم والنقم على العالم الإنساني حيث يقول:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء"الآية.
وتوضيحها أن العالم بما فيه من الأجزاء متعلق الأبعاض مرتبط الأطراف يتصل بعضها ببعض اتصال أعضاء بدن واحد وأجزائه بعضها ببعض في صحتها وسقمها واستقامتها في صدور أفاعيلها ، وقيامها بالواجبات من أعمالها فالتفاعل بالآثار والخواص جار بينها عام شامل لها.
والجميع على ما يبينه القرآن الشريف سائر إلى الله سبحانه سالك نحو الغاية التي قدرت له فإذا اختل أمر بعض أجزائه وخاصة الأجزاء الشريفة ، وضعف أثره وانحرف عن مستقيم صراطه بأن أثر فساده في غيره ، وانعكس ذلك منه إلى نفسه في الآثار التي يرسلها ذلك الغير إليه ، وهي آثار غير ملائمة لحال هذا الجزء المنحرف - وهي المحنة والبلية التي يقاسيها هذا السبب من ناحية سائر الأسباب - فإن استقام بنفسه أو بإعانة من غيره عاد إليه رفاه حاله السابق ، ولو استمر على انحرافه واعوجاجه ، وأدام فساد حاله دامت له المحنة حتى إذا طغا وتجاوز حده ، وأوقفت سائر الأسباب المحيطة به في عتبة الفساد انتهضت عليه سائر الأسباب وهاجت بقواها التي أودعها الله سبحانه فيها لحفظ وجوداتها فحطمته ودكته ومحته بغتة وهو لا يشعر.