و في الدر المنثور ،: أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي عامر الأشعري: أنه كان فيهم شيء فاحتبس على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أتاه فقال: ما حبسك؟ قال: يا رسول الله قرأت هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم - لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"قال: فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أين ذهبتم؟ إنما هي: لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم.
أقول: والرواية كما ترى تخص الأمر في الآية بالترخيص في ترك دعوة الكفار إلى الحق وتصرفها عن الترخيص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفروع مع أن آيات وجوب الدعوة وما يتبعها من آيات الجهاد ونحوها لا تقصر في الإباء عن ذلك عن آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفيه ،: أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرت هذه الآية عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قول الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم - لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"فقال نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لم يجىء تأويلها ، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى بن مريم (عليهما السلام) .
أقول: والكلام في الرواية نظير الكلام فيما تقدم.
وفيه ،: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة: في قوله:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"قال: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.
أقول: وهو معنى معتدل مآله إلى ما ذكرناه ، وروي مثله عن سعيد بن المسيب.
ملفق من إشارات تاريخية وأبحاث أخر نفسية وغير ذلك في فصول: 1 - لم يزل الإنسان فيما نعلم - حتى الإنسان الأولي - يقول في بعض قوله:"أنا"و"نفسي"يحكي به عن حقيقة من الحقائق الكونية وهو لا محالة يدري ما يقول ويعلم ما يريد غير أن انصراف همه إلى تعبئة أركان الحياة البدنية واشتغاله بالأعمال الجسمية لرفع الحوائج المادية يصرفه عن التعمق في أمر هذه النفس المحكي عنها بقوله:"أنا"و"نفسي"وربما ألقى ذلك في وهمه أن ذلك هو البدن لا غير.
وربما وجد الإنسان أن الفارق بين الحي والميت بحسب ظهور الحس هو النفس الذي يتنفس به الإنسان ما دام حيا فإذا فقده أو سد عليه مجاريه عاد ميتا لا يشعر بشيء وبطل وجوده وانعدمت شخصيته وإنيته فأذعن أن النفس هو النفس محركة وهو الريح أو نوع خاص من الريح فسماه لذلك روحا ، وقضى أن الإنسان هو المجموع من الروح والبدن.
أو رأى أن الحس والحركة البدنيين كأنهما رهينا ما يحتبس في البدن من الدم الساري في أعضائه أو الجاري في عروقه من شرائين وأوردة وأن الحياة التي ترتحل الإنسانية بارتحالها متعلقة بهذا المائع الأحمر وجودا وعدما فحكم بأن النفس هو الدم فسمى النفس دما بل الدم نفسا سائلة أو غير سائلة.
وربما دعى الإنسان ما يشاهده من أمر النطفة أن المني حينما يلتقمه الرحم ويطرؤه التطور الكوني طورا بعد طور هو الذي يصير إنسانا ، أن يذهب إلى أن النفس الإنسانية هي الأجزاء الأصلية المجتمعة في النطفة ، وهي باقية في البنية البدنية مدى الحياة ، وربما ذهب الذاهب إلى أنها مصونة عن التغير والبطلان ، وأن الإنسانية باقية ببقائها لا تنالها يد الحدثان ولا أنها تقبل البطلان والانعدام مع أن النفس الإنسانية لو كانت هذه الأجزاء المنعوتة سواء اشترطنا فيها الاجتماع على هيئة خاصة أو لم نشترط استلزم ذلك القول بمحالات كثيرة مذكورة في محله.
فهذه الأقاويل وأمثالها لا تنافي ما يناله الإنسان وهو إنسان من حقيقة قوله:"أنا"و"نفسي"ولا يخطىء فيه البتة إذ ليس من البعيد أن نكون ندرك حقيقة من الحقائق الكونية إجمالا إدراكا غير خاطىء ثم نأخذ في البحث عن هويته وواقع أمره تفصيلا فنخطىء فيه عند ذاك فهناك موضوعات علمية كثيرة كالمحسوسات الظاهرية أو الباطنية نشاهدها مشاهدة عيان - على الرغم من السوفسطائيين والشكاكين - ثم العلماء لا يزالون يختلفون في أمرها خلفا عن سلف.
وكذلك العامة من غير أهل البحث يشاهدون من أنفسهم ما يشاهده الخاصة من غير فرق البتة وهم على جهل من أمر تفصيله عاجزون عن تفسير خصوصيات وجوده.