فهرس الكتاب

الصفحة 1223 من 4314

و بالجملة مما لا ريب فيه أن الإنسان في جميع أحيان وجوده يشاهد أمرا غير خارج منه يعبر عنه بأنا ونفسي ، وإذا لطف نظره وتعمق خائضا فيما يجده في مشاهدته هذه وجده شيئا على خلاف ما يجده من الأمور الجسمانية القابلة للتغير والانقسام والاقتران بالمكان والزمان ، ووجده غير هذا البدن المادي المحكوم بأحكام المادة بأعضائه وأجزائه فإنه ربما نسي أي عضو من أعضائه أو غفل عن جميع بدنه وهو لا ينسى نفسه ولا يغفل عنها ، دع عنك ما ربما تقوله: نسيت نفسي ، غفلت عن نفسي ، ذهلت عن نفسي فهذه مجازات عن عنايات نفسانية مختلفة ، أ لا ترى أنك تسند النسيان والغفلة والذهول حينئذ إلى نفسك وتحكم بأن نفسك الشاعرة شعرت بأمر وغفلت عن أمر تسميه نفسك كالبدن ونحوه؟.

ودع عنك ما ربما يتوهم أن المغمى عليه يغفل عن ذاته ونفسه فإن الذي يجده هذا الإنسان بعد انقضاء حال الإغماء أنه لا يذكر شعوره بنفسه حالة الإغماء لا أنه يذكر أنه كان غير شاعر بها ، وبين المعنيين فرق ، وربما يذكر بعض المغمى عليهم من حالة إغمائه شيئا بشبه الرؤيا التي نذكرها من حال المنام.

وكيف كان لا ينبغي الارتياب في أن الإنسان بما أنه إنسان لا يخلو عن هذا الشعور النفسي الذي يمثل له حقيقة نفسه التي يعبر عنها بأنا ، ولو أنه استأنس قليل استيناس بما يشاهده من نفسه على انصراف من التقسم إلى مشاغله البدنية وأمانيه المادية قضى بما تقدم أن نفسه أمر مغاير لسنخ المادة والماديات لما يشاهد من مغايرة خواص نفسه وآثارها لخواص الأمور المادية وآثارها.

غير أن الاشتغال بالمشاغل اليومية وصرف الهم إلى أماني الحياة المادية ورفع الحوائج البدنية يدعوه إلى إهمال الأمر والإذعان بشيء من تلك الآراء الساذجة الأبجدية والوقف على إجمال المشاهدة.

2 -الفرد العادي من الإنسان وإن كان شغله هم الغذاء والمسكن والملبس والمنكح عن الغور في حقيقة نفسه والبحث في زوايا ذاته ، لكن الحوادث المختلفة الهاجمة عليه في خلال أيام حياته ربما لم تخل من عوامل توجهه إلى الانصراف عن غيره والخلوة بنفسه كالخوف الشديد الذي تنزعج به النفس عن كل شيء وترجع إلى نفسها كالآخذة الممسكة عليها حذرا من الفناء والزوال ، وكالسرور والترح الموجب لانجذاب النفس إلى ما تستلذ به ، وكالغرام الشديد المنجر إلى الوله بالمحبوب المطلوب بحيث لا هم إلا همه ، وكالاضطرار الشديد الذي ينقطع به الإنسان عن كل شيء إلى نفسه إلى غير ذلك من العوامل الاتفاقية.

هذه العوامل المختلفة والأسباب المتنوعة ربما أدى الإنسان واحدا منها أو أزيد من واحد إلى أن يتمثل عنده بعض ما لا يكاد تناله الحواس الظاهرة أو الفكرة الخالية ، كالواقع في مكان مظلم موحش أدهشه الخوف على نفسه فإنه يبصر أشياء مخوفة أو يسمع أصواتا هائلة تهدده في نفسه ، وهو الذي ربما يسمونه غولا أو هاتفا أو جنا ونحو ذلك.

وربما أحاط به الحب الشديد أو الحسرة والأسف الشديدان فحال بينه وبين حواسه الظاهرية وركز شعوره فيما يحبه أو يأسف عليه ، فرأى في حال المنام أو في حال من اليقظة يشبه حالة المنام ، أمورا مختلفة من الوقائع الماضية أو الحوادث المستقبلة أو خبايا وخفايا تخفى على حواس غيره.

وربما كانت الإرادة إذا شفعت باليقين والإيمان الشديد والإذعان الجازم تفعل أفعالا لا يقدر عليها الإنسان المتعارف ، ولا أن الأسباب العادية يسعها أن تهدي إلى ذلك.

فهذه حوادث جزئية نادرة - بالنسبة إلى عامة الحوادث العادية - تحدث عن حدوث عوامل مختلفة مرت الإشارة إليها: أما أصل وقوعها فمما ليس كثير حاجة إلى تجشم الاستدلال عليه فكل منا لا يخلو من أن يذكر من نفسه أو من غيره ما يشهد به ، وأما أن السبب الحقيقي العامل فيها ما هي؟ فليس هاهنا محل الاشتغال به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت