فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 4314

2 سورة البقرة - 215

يَسئَلُونَك مَا ذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيرٍ فَلِلْوَلِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسكِينِ وَابْنِ السبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)

قوله تعالى: يسئلونك ما ذا ينفقون ، قل: ما أنفقتم من خير ، قالوا: إن الآية واقعة على أسلوب الحكمة ، فإنهم إنما سألوا عن جنس ما ينفقون ونوعه ، وكان هذا السؤال كاللغو لمكان ظهور ما يقع به الإنفاق وهو المال على أقسامه ، وكان الأحق بالسؤال إنما هو من ينفق له: صرف الجواب إلى التعرض بحاله وبيان أنواعه ليكون تنبيها لهم بحق السؤال.

والذي ذكروه وجه بليغ غير أنهم تركوا شيئا ، وهو أن الآية مع ذلك متعرضة لبيان جنس ما ينفقونه ، فإنها تعرضت لذلك: أولا بقولها: من خير ، إجمالا ، وثانيا بقولها: وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ، ففي الآية دلالة على أن الذي ينفق به هو المال كائنا ما كان ، من قليل أو كثير ، وأن ذلك فعل خير والله به عليم ، لكنهم كان عليهم أن يسألوا عمن ينفقون لهم ويعرفوه ، وهم: الوالدان والأقربون واليتامى والمساكين وابن السبيل.

ومن غريب القول ما ذكره بعض المفسرين: أن المراد بما في قوله تعالى: ما ذا ينفقون ليس هو السؤال عن الماهية فإنه اصطلاح منطقي لا ينبغي أن ينزل عليه الكلام العربي ولا سيما أفصح الكلام وأبلغه ، بل هو السؤال عن الكيفية ، وأنهم كيف ينفقونه ، وفي أي موضع يضعونه ، فأجيب بالصرف في المذكورين في الآية ، فالجواب مطابق للسؤال لا كما ذكره علماء البلاغة!.

ومثله وهو أغرب منه ما ذكره بعض آخر: أن السؤال وإن كان بلفظ ما إلا أن المقصود هو السؤال عن الكيفية فإن من المعلوم أن الذي ينفق به هو المال ، وإذا كان هذا معلوما لم يذهب إليه الوهم ، وتعين أن السؤال عن الكيفية ، نظير قوله تعالى:"قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا": البقرة - 70 ، فكان من المعلوم أن البقرة بهيمة نشأتها وصفتها كذا وكذا ، فلا وجه لحمل قوله: ما هي على طلب الماهية ، فكان من المتعين أن يكون سؤالا عن الصفة التي بها تمتاز البقرة من غيرها ، ولذلك أجيب بالمطابقة بقوله تعالى:"إنها بقرة لا ذلول:"الآية البقرة - 71.

وقد اشتبه الأمر على هؤلاء ، فإن ما وإن لم تكن موضوعة في اللغة لطلب الماهية التي اصطلح عليها المنطق ، وهي الحد المؤلف من الجنس والفصل القريبين ، لكنه لا يستلزم أن تكون حينئذ موضوعة للسؤال عن الكيفية ، حتى يصح لقائل أن يقول عند السؤال عن المستحقين للإنفاق: ما ذا أنفق: أي على من أنفق؟ فيجاب عنه بقوله: للوالدين والأقربين ، فإن ذلك من أوضح اللحن.

بل ما موضوعة للسؤال عما يعرف الشيء سواء كان معرفا بالحد والماهية ، أو معرفا بالخواص والأوصاف ، فهي أعم مما اصطلح عليه في المنطق لا أنها مغايرة له وموضوعة للسؤال عن كيفية الشيء ، ومنه يعلم أن قوله تعالى:"يبين لنا ما هي"وقوله تعالى:"إنها بقرة لا ذلول"، سؤال وجواب جاريان على أصل اللغة ، وهو السؤال عما يعرف الشيء ويخصه والجواب بذلك.

وأما قول القائل: إن الماهية لما كانت معلومة تعين حمل ما على السؤال عن الكيفية دون الماهية فهو من أوضح الخطإ ، فإن ذلك لا يوجب تغير معنى الكلمة مما وضع له إلى غيره.

ويتلوهما في الغرابة قول من يقول: إن السؤال كان عن الأمرين جميعا: ما ينفقون؟ وأين ينفقون فذكر أحد السؤالين وحذف الآخر ، وهو السؤال الثاني لدلالة الجواب عليه! وهو كما ترى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت