و للمناقشة إليه سبيل والظاهر أن العناية في هذا التركيب أن مثلك لاشتماله على مثل ما فيك من الصفة لا يفعل هذا فأنت لا تفعله لمكان صفتك ففيه نفي الفعل بنفي سببه على سبيل الكناية ، وهو آكد من قولنا: أنت لا تفعله.
وقوله:"و جعل لهم أجلا لا ريب فيه"الظاهر أن المراد بالأجل هو زمان الموت فإن الأجل إما مجموع مدة الحياة الدنيا وهي محدودة بالموت وإما آخر زمان الحياة ويقارنه الموت وكيف كان فالتذكير بالموت الذي لا ريب فيه ليعتبروا به ويكفوا عن الجرأة على الله وتكذيب آياته فهو قادر على بعثهم والانتقام منهم بما صنعوا.
فقوله:"و جعل لهم أجلا لا ريب فيه"ناظر إلى قوله في صدر الآية السابقة:"ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا"فهو نظير قوله:"و الذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يشعرون إلى أن قال أ ولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض إلى أن قال وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون": الأعراف: 185.
وجوز بعضهم أن يكون المراد بالأجل هو يوم القيامة ، وهو لا يلائم السياق فإن سابق الكلام يحكي إنكارهم للبعث ثم يحتج عليهم بالقدرة فلا يناسبه أخذ البعث مسلما لا ريب فيه.
ونظيره تقرير بعضهم قوله:"و جعل لهم أجلا لا ريب فيه"حجة أخرى مسوقة لإثبات يوم القيامة على كل من تقديري كون المراد بالأجل هو يوم الموت أو يوم القيامة ، وهو تكلف لا يعود إلى جدوى البتة فلا موجب للاشتغال به.
قوله تعالى:"قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا"فسر القتور بالبخيل المبالغ في الإمساك وقال في المجمع ،: القتر التضييق والقتور فعول منه للمبالغة ، ويقال: قتر يقتر وتقتر وأقتر وقتر إذا قدر في النفقة انتهى.
وهذا توبيخ لهم على منعهم رسالة البشر المنقول عنهم سابقا بقوله:"و ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أ بعث الله بشرا رسولا"ومعنى الآية ظاهر.
في تفسير العياشي ، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنما الشفاء في علم القرآن لقوله:"ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين"الحديث.
وفي الكافي ، بإسناده عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله (عليه السلام) : قال: قال: النية أفضل من العمل ألا وإن النية هي العمل ثم قرأ قوله عز وجل:"قل كل يعمل على شاكلته"يعني على نيته.
أقول: وقوله: إن النية هي العمل يشير إلى اتحادهما اتحاد العنوان ومعنونه.
وفيه ، بإسناده عن أبي هاشم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء. ثم تلا قوله تعالى:"قل كل يعمل على شاكلته"قال: على نيته.
أقول: إشارة إلى رسوخ الملكات بحيث يبطل في النفس استعداد ما يقابلها وروى الرواية العياشي أيضا في تفسيره ، عن أبي هاشم عنه (عليه السلام) .
وفي الدر المنثور ،: في قوله تعالى:"يسألونك عن الروح"الآية: أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة ، والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل ، عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقالوا: سلوه عن الروح فسألوه فنزلت:"يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي - وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"قالوا: أوتينا علما كثيرا أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فأنزل الله:"قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي - لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا".
أقول: وروي بطرق أخرى عن عبد الله بن مسعود وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن أم الحكم: أن السؤال إنما كان من اليهود بالمدينة وبها نزلت الآية وكون السورة مكية واتحاد سياق آياتها لا يلائم ذلك.