فهرس الكتاب

الصفحة 2710 من 4314

و هذا في نفسه جيد غير أن ذيل الآية كما قيل لا يلائمه أعني قوله:"بيني وبينكم"وقوله:"إنه كان بعباده خبيرا بصيرا"بل كان الأقرب أن يقال: شهيدا لي عليكم أو على رسالتي أو نحو ذلك.

وهذه الآية والآيتان قبلها مسجعة بقوله:"رسولا"وهو المورد الوحيد في القرآن الذي اتفقت فيه ثلاث آيات متوالية في سجع واحد على ما نذكر.

قوله تعالى:"و من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه"إلخ هو - على ما يشعر به السياق - من تتمة الخطاب الأخير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:"قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم"فهو كناية عن أنه تمت عليهم الحجة وحقت عليهم الضلالة فلا مطمع في هدايتهم.

ومحصل المعنى: خاطبهم بإعلام قطع المحاجة فإن الهداية لله تعالى لا يشاركه فيها أحد فمن هداه فهو المهتدي لا غير ومن أضله ولم يهده فلن تجد يا محمد له أولياء من دونه يهدونه والله لا يهدي هؤلاء فانقطع عنهم ولا تكلف نفسك في دعوتهم رجاء أن يؤمنوا.

ومن هنا يظهر أن قول بعضهم: إن الآية كلام مبتدأ غير داخل في حيز"قل"في غير محله.

وإنما أتى بأولياء بصيغة الجمع مع كون المفرد أبلغ وأشمل إشارة إلى أنه لو كان له ولي من دون الله لكان ذلك إما آلهتهم وهي كثيرة وإما سائر الأسباب الكونية وهي أيضا كثيرة.

وفي قوله:"و من يهد الله فهو المهتد"إلخ التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة فقد كان السياق سياق التكلم بالغير ولعل الوجه فيه أنه لو قيل: ومن نهد ومن نضل على التكلم بالغير أوهم تشريك الملائكة في أمر الهداية والإضلال فأوهم التناقض في قوله:"فلن تجد لهم أولياء من دونه"فإن الأولياء عندهم الملائكة وهم يتخذونهم آلهة ويعبدونهم.

قوله:"و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم"إلى آخر الآيتين العمى والبكم والصم جمع أعمى وأبكم وأصم ، وخبو النار وخبوها سكون لهبها ، والسعير لهب النار ، والمعنى ظاهر.

قوله تعالى:"أ ولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم"إلى آخر الآية ، الكفور الجحود ، احتجاج منه تعالى على البعث بعد الموت فقد كان قولهم:"ء إذا كنا عظاما ورفاتا ء إنا لمبعوثون خلقا جديدا"استبعادا مبنيا على إحالة أن يعود هذا البدن الدنيوي بعد تلاشيه وصيرورته عظاما ورفاتا إلى ما كان عليه بخلق جديد فاحتج عليهم بأن خلق البدن أولا يثبت القدرة عليه وعلى مثله الذي هو الخلق الجديد للبعث فحكم الأمثال واحد.

فالمماثلة إنما هي من جهة مقايسة البدن الجديد من البدن الأول مع قطع النظر عن النفس التي هي الحافظة لوحدة الإنسان وشخصيته ، ولا ينافي ذلك كون الإنسان الأخروي عين الإنسان الدنيوي لا مثله لأن ملاك الوحدة والشخصية هي النفس الإنسانية وهي محفوظة عند الله سبحانه غير باطلة ولا معدومة ، وإذا تعلقت بالبدن المخلوق جديدا كان هو الإنسان الدنيوي كما أن الإنسان في الدنيا واحد شخصي باق على وحدته الشخصية مع تغير البدن بجميع أجزائه حينا بعد حين.

والدليل على أن النفس التي هي حقيقة الإنسان محفوظة عند الله مع تفرق أجزاء البدن وفساد صورته قوله تعالى:"و قالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": الم السجدة: 11 حيث استشكلوا في المعاد بأنه تجديد للخلق بعد فناء الإنسان بتفرق أجزاء بدنه فأجيب عنه بأن ملك الموت يتوفى الإنسان ويأخذه تاما كاملا فلا يضل ولا يتلاشى ، وإنما الضال بدنه ولا ضير في ذلك فإن الله يجدده.

والدليل على أن الإنسان المبعوث هو عين الإنسان الدنيوي لا مثله جميع آيات القيامة الدالة على رجوع الإنسان إليه تعالى وبعثه وسؤاله وحسابه ومجازاته بما عمل.

فهذا كله يشهد على أن المراد بالمماثلة ما ذكرناه ، وإنما تعرض لأمر البدن حتى ينجر إلى ذكر المماثلة محاذاة لمتن ما استشكلوا به من قولهم:"ء إذا كنا عظاما ورفاتا ء إنا لمبعوثون خلقا جديدا"فلم يضمنوا قولهم إلا شئون البدن لا النفس المتوفاة منه ، وإذا قطع النظر عن النفس كان البدن مماثلا للبدن ، وإن كان مع اعتبارها عينا.

وذكر بعضهم: أن المراد بمثلهم نفسهم فهو من قبيل قولهم: مثلك لا يفعل هذا أي أنت لا تفعله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت