و قوله تعالى:"و جعلنا بعضكم لبعض فتنة أ تصبرون"متمم للجواب السابق بمنزلة التعليل لكون الرسل كسائر الناس في الخواص البشرية من غير أن تتميز حياتهم أو دعوتهم بخواص سماوية تورث القطع بكونهم حاملين للرسالة الإلهية كإنزال ملك عليهم أو إلقاء كنز إليهم أو خلق جنة لهم فكأنه قيل: والسبب في كون الرسل جارين في حياتهم على ما يجري عليه الناس أنا جعلنا بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها فالرسل فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم فيتميز بهم أهل الريب من أهل الإيمان والمتبعون للأهواء الذين لا يصبرون على مر الحق من طلاب الحق الصابرين في طاعة الله وسلوك سبيله.
وبما مر يتبين أولا: أن المراد بالصبر هو الصبر بأقسامه وهي الصبر على طاعة الله ، والصبر عن معصيته ، والصبر عند المصائب.
وثانيا: أن قوله:"و جعلنا بعضكم لبعض فتنة"من وضع الحكم العام موضع الخاص ، والمطلوب الإشارة إلى جعل الرسل - وحالهم هذه الحال - فتنة لسائر الناس.
وقوله تعالى:"و كان ربك بصيرا"أي عالما بالصواب في الأمور فيضع كل أمر في الموضع المناسب له ويجري بذلك أتم النظام فهدف النظام الإنساني كمال كل فرد بقطعه طريق السعادة أو الشقاوة على حسب ما يستعد له ويستحقه ولازمه بسط نظام الامتحان بينهم ولازمه ارتفاع التمايز بين الرسل وغيرهم.
وفي الجملة التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة ، والنكتة فيه نظيرة ما في قوله السابق:"تبارك الذي إن شاء"إلخ ، .
في الدر المنثور ، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البختري والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أمية وأمية بن خلف والعاصي بن وائل ونبيه بن الحجاج اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه ، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. قال: فجاءهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا له: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا ، وإن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك ، وإن كنت تطلب ملكا ملكناك. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما بي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا عرضناه عليك فسل لنفسك وسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا من ذهب وفضة يغنيك عما تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا. فأنزل الله في قولهم ذلك"و قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام"إلى قوله وجعلنا بعضكم لبعض فتنة. أ تصبرون وكان ربك بصيرا"أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا ، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لفعلت."
وفيه ، أخرج الطبراني وابن مردويه من طريق مكحول عن أبي أمامة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعدا من بين عيني جهنم. قالوا: يا رسول الله وهل لجهنم من عين؟ قال: أ ما سمعتم الله يقول:"إذا رأتهم من مكان بعيد"فهل تراهم إلا بعينين؟: أقول: ورواه أيضا عن رجل من الصحابة ، وفي حجة الخبر خفاء.
وفيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي أسيد: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن قول الله:"و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين"قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط.