فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 4314

و كذا ما وقع في دعاء إبراهيم المحكي في قوله تعالى:"رب اجعل هذا البلد آمنا": إبراهيم - 35 ، وقوله:"رب اجعل هذا بلدا آمنا": البقرة - 126 ، حيث سأل الأمن لبلد مكة فأجابه الله بتشريع الأمن وسوق الناس سوقا قلبيا إلى تسليم ذلك وقبوله زمانا بعد زمان.

قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، الحج بالكسر وقرىء بالفتح هو القصد ثم اختص استعماله بقصد البيت على نهج مخصوص بينه الشرع ، وقوله: سبيلا تمييز من قوله: استطاع.

والآية تتضمن تشريع الحج إمضاء لما شرع لإبراهيم (عليه السلام) كما يدل عليه قوله تعالى حكاية لما خوطب به إبراهيم:"و أذن في الناس بالحج"الآية: الحج - 27 ، ومن هنا يظهر أن وزان قوله: ولله على الناس"الخ"وزان قوله تعالى: ومن دخله كان آمنا في كونه إخبارا عن تشريع سابق وإن كان من الممكن أن يكون إنشاء على نحو الإمضاء لكن الأظهر من السياق هو الأول كما لا يخفى.

قوله تعالى: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ، الكفر هاهنا من الكفر بالفروع نظير الكفر بترك الصلوة والزكوة فالمراد بالكفر الترك.

والكلام من قبيل وضع المسبب أو الأثر مقام السبب أو المنشإ كما أن قوله: فإن الله غني"الخ"من قبيل وضع العلة موضع المعلول ، والتقدير: ومن ترك الحج فلا يضر الله شيئا فإن الله غني عن العالمين.

عن ابن شهرآشوب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : في قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس: الآية فقال له رجل أ هو أول بيت؟ قال لا قد كان قبله بيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا ، فيه الهدى والرحمة والبركة. وأول من بناه إبراهيم ، ثم بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علي بن أبي طالب: في قوله"إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة قال: كانت البيوت قبله ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله."

أقول: ورواه أيضا عن ابن جرير عن مطر مثله ، والروايات في هذه المعاني كثيرة.

وفي العلل ، عن الصادق (عليه السلام) : موضع البيت بكة ، والقرية مكة.

وفيه ، أيضا عنه (عليه السلام) : إنما سميت بكة بكة لأن الناس يبكون فيها.

أقول: يعني يزدحمون.

وفيه ، عن الباقر (عليه السلام) : إنما سميت مكة بكة لأنه يبك بها الرجال والنساء ، والمرأة تصلي بين يديك ، وعن يمينك ، وعن شمالك ومعك ولا بأس بذلك إنما يكره ذلك في سائر البلدان.

وفيه ، عن الباقر (عليه السلام) قال: لما أراد الله أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربن متن الماء حتى صار موجا ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت ثم جعله جبلا من زبد ثم دحى الأرض من تحته وهو قول الله: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ، فأول بقعة خلقت من الأرض الكعبة ثم مدت الأرض منها.

أقول: والأخبار في دحو الأرض من تحت الكعبة كثيرة ، وليست مخالفة للكتاب ، ولا أن هناك برهانا يدفع ذلك غير ما كانت تزعمه القدماء من علماء الطبيعة أن الأرض عنصر بسيط قديم ، وقد بان بطلان هذا القول بما لا يحتاج إلى بيان.

وهذا تفسير ما ورد من الروايات في أن الكعبة أول بيت أي بقعة في الأرض وإن كان الظاهر من الآية ما تشتمل عليه الروايتان الأوليان.

وفي الكافي ، وتفسير العياشي ، عن الصادق (عليه السلام) : في قوله تعالى: فيه آيات بينات: أنه سئل ما هذه الآيات البينات؟ قال: مقام إبراهيم حيث قام على الحجر فأثرت فيه قدماه ، والحجر الأسود ، ومنزل إسماعيل.

أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر ، ولعل ذكره هذه الأمور من باب العد وإن لم تشتمل على بعضها الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت