فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 4314

و يمكن أن يكون تقدير الكلام: هي مقام إبراهيم والأمن والحج ثم وضع قوله: ومن دخله ، وقوله: ولله على الناس ، وهما جملتان مشتملتان على حكم إنشائي موضع الخبرين ، وهذا من أعاجيب أسلوب القرآن حيث يستخدم الكلام المسوق لغرض في سبيل غرض آخر فيضعه موضعه لينتقل منه إليه فيفيد فائدتين ، ويحفظ الجهتين كحكاية الكلام في موضع الإخبار كقوله:"كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله": البقرة - 285 ، وكما مر في قوله تعالى"أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه"الآية: البقرة - 258 ، وقوله:"أو كالذي مر على قرية"الآية: البقرة - 259 ، وقد بينا النكتة في ذلك في تفسير الثانية ، وكما في قوله تعالى:"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم": الشعراء - 89 ، وكما في قوله تعالى:"و لكن البر من آمن بالله الآية: البقرة - 177 ، حيث وضع صاحب البر ، مكان البر ، وكما في قوله تعالى:"و مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع"الآية: البقرة - 171 ومثله غالب الأمثال الواردة في القرآن الكريم."

وعلى هذا فوزان قوله: فيه آيات بينات مقام إبراهيم - إلى قوله - عن العالمين في التردد بين الإنشاء والإخبار ، وزان قوله:"و اذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب": ص - 44.

وهذا الذي ذكرناه غير ما ذكره بعضهم من حديث البدلية ، وإن كان بدلا ولا بد فالأولى جعل قوله: مقام إبراهيم بدلا وجعل الجملتين التاليتين مستأنفتين دالتين على بدلين محذوفين.

والتقدير فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن الداخل وحج المستطيع للبيت.

ولا ريب في كون كل واحد من هذه الأمور آية بينة دالة بوقوعها على الله سبحانه مذكرة لمقامه إذ ليست الآية إلا العلامة الدالة على الشيء بوجه ، وأي علامة دالة عليه تعالى مذكرة لمقامه أعظم وأجلى في نظر أهل الدنيا من موقف إبراهيم ومن حرم آمن يأمن من دخله ومن مناسك وعبادات يأتي بها الألوف بعد الألوف من الناس تتكرر بتكرر السنين ، ولا تنسخ بانتساخ الليالي والأيام ، وأما كون كل آية أمرا خارقا للعادة ناقضا لسنة الطبيعة فليس من الواجب ، ولا لفظ الآية بمفهومه يدل عليه ، ولا استعماله في القرآن ينحصر فيه.

قال تعالى:"ما ننسخ من آية أو ننسها"الآية: البقرة - 106 ، وهي تشمل الأحكام المنسوخة في الشرع قطعا ، وقال تعالى:"أ تبنون بكل ريع آية تعبثون": الشعراء - 128 ، إلى غير ذلك من الآيات.

ومن هنا يظهر ما في إصرار بعض المفسرين على توجيه كون المقام آية خارقة ، وكون الأمن والحج مذكورين لغير غرض بيان الآية.

وكذا إصرار آخرين على أن المراد بالآيات البينات أمور أخر من خواص الكعبة وقد أغمضنا عن ذكرها ، ومن أرادها فليراجع بعض مطولات التفاسير فإن ذلك مبني على كون المراد من الآيات الآيات المعجزة وخوارق العادة ، ولا دليل على ذلك كما مر.

فالحق أن قوله: ومن دخله كان آمنا: مسوق لبيان حكم تشريعي لا خاصة تكوينية غير أن الظاهر أن يكون الجملة إخبارية يخبر بها عن تشريع سابق للأمن كما ربما استفيد ذلك من دعوة إبراهيم المذكورة في سورتي إبراهيم والبقرة وقد كان هذا الحق محفوظا للبيت قبل البعثة بين عرب الجاهلية ويتصل بزمن إبراهيم (عليه السلام) .

وأما كون المراد من حديث الأمن هو الإخبار بأن الفتن والحوادث العظام لا تقع ولا ينسحب ذيلها إلى الحرم فيدفعه وقوع ما وقع من الحروب والمقاتلات واختلال الأمن فيه ، وخاصة ما وقع منها قبل نزول هذه الآية ، وقوله تعالى"أ ولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم": العنكبوت - 67 ، لا يدل على أزيد من استقرار الأمن واستمراره في الحرم ، وليس ذلك إلا لما يراه الناس من حرمة هذا البيت ووجوب تعظيمه الثابت في شريعة إبراهيم (عليه السلام) وينتهي بالأخرة إلى جعله سبحانه وتشريعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت