فهرس الكتاب

الصفحة 707 من 4314

و كذا في دعوة إبراهيم (عليه السلام) شيء كثير يدل على كون البيت لم يزل معمورا بالعبادة آية في الهداية راجع سورة إبراهيم.

وكان عرب الجاهلية يعظمونه ويأتون بالحج بعنوان أنه من شرع إبراهيم ، وقد ذكر التاريخ أن سائر الناس أيضا كانوا يعظمونه ، وهذا في نفسه نوع من الهداية لما فيه من التوجه إلى الله سبحانه وذكره ، وأما بعد ظهور الإسلام فالأمر أوضح ، وقد ملأ ذكره مشارق الأرض ومغاربها ، وهو يعرض نفسه لأفهام الناس وقلوبهم بنفسه وبذكره ، وفي عبادات المسلمين وطاعاتهم وقيامهم وقعودهم ومذابحهم وسائر شئونهم.

فهو هدى بجميع مراتب الهداية آخذة من الخطور الذهني إلى الانقطاع التام الذي لا يمسه إلا المطهرون من عباد الله المخلصين.

على أنه يهدي عالم المسلمين إلى سعادتهم الدنيوية التي هي وحدة الكلمة وائتلاف الأمة وشهادة منافعهم ، ويهدي عالم غيرهم بإيقاظهم وتنبيههم إلى ثمرات هذه الوحدة وائتلاف القوى المختلفة المتشتتة.

ومن هنا يظهر أولا: أنه هدى إلى سعادة الدنيا والآخرة كما أنه هدى بجميع مراتب الهداية ، فالهداية مطلقة.

وثانيا: أنه هدى للعالمين لا لعالم خاص وجماعة مخصوصة كآل إبراهيم أو العرب أو المسلمين وذلك لما فيه من سعة الهداية.

قوله تعالى: فيه آيات بينات مقام إبراهيم ، الآيات وإن وصفت بالبينات ، وأفاد ذلك تخصصا ما في الموصوف إلا أنها مع ذلك لا تخرج عن الإبهام ، والمقام مقام بيان مزايا البيت ومفاخره التي بها يتقدم على غيره في الشرف ولا يناسب ذلك إلا الإتيان ببيان واضح ، والوصف بما لا غبار عليه بالإبهام والإجمال ، وهذا من الشواهد على كون قوله: مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس إلى آخر الآية بيانا لقوله: آيات بينات فالآيات هي: مقام إبراهيم ، وتقرير الأمن فيه ، وإيجاب حجة على الناس المستطيعين.

لكن لا كما يتراءى من بعض التفاسير من كون الجمل الثلاث بدلا أو عطف بيان من قوله: آيات لوضوح أن ذلك يحتاج إلى رجوع الكلام بحسب التقدير إلى مثل قولنا: هي مقام إبراهيم ، والأمن لمن دخله ، وحجة لمن استطاع إليه سبيلا ، وفي ذلك إرجاع قوله: ومن دخله ، سواء كان إنشاء أو إخبارا إلى المفرد بتقدير أن وإرجاع قوله: ولله على الناس ، وهي جملة إنشائية إلى الخبرية ثم عطفه على الجملة السابقة وتأويلها إلى المفرد بذلك أو بتقدير أن فيها أيضا ، وكل ذلك مما لا يساعد عليه الكلام البتة.

وإنما سيقت هذه الجمل الثلاث أعني قوله: مقام إبراهيم"الخ"، كل لغرض خاص من إخبار أو إنشاء حكم ثم تتبين بها الآيات فتعطي فائدة البيان كما يقال: فلان رجل شريف هو ابن فلان ويقري الضيف ويجب علينا أن نتبعه.

قوله تعالى: مقام إبراهيم مبتدأ لخبر محذوف والتقدير فيه مقام إبراهيم ، وهو الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم الخليل (عليه السلام) ، وقد استفاض النقل بأن الحجر مدفون في المكان الذي يدعى اليوم بمقام إبراهيم على حافة المطاف حيال الملتزم ، وقد أشار إليه أبو طالب عم النبي في قصيدته اللامية: وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة.

على قدميه حافيا غير ناعل.

وربما يفهم من قوله: مقام إبراهيم أن البيت أو في البيت موضع قيام إبراهيم بعبادة الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت