فهرس الكتاب

الصفحة 853 من 4314

نسبة المعصية إلى الرسول يشهد أن المراد بها معصية أوامره (صلى الله عليه وآله وسلم) الصادرة عن مقام ولايته لا معصية الله تعالى في أحكام الشريعة ، وقوله: لو تسوى بهم الأرض كناية عن الموت بمعنى بطلان الوجود نظير قوله تعالى: ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا:"النبأ: 40".

وقوله:"و لا يكتمون الله حديثا"ظاهر السياق أنه معطوف على موضع قوله: يود الذين كفروا وفائدته الدلالة بوجه على ما يعلل به تمنيهم الموت ، وهو أنهم بارزون يومئذ لله لا يخفى عليه منهم شيء لظهور حالهم عليه تعالى بحضور أعمالهم ، وشهادة أعضائهم وشهادة الأنبياء والملائكة وغيرهم عليهم ، والله من ورائهم محيط فيودون عند ذلك أن لو لم يكونوا وليس لهم أن يكتموه تعالى حديثا مع ما يشاهدون من ظهور مساوي أعمالهم وقبائح أفعالهم.

وأما قوله تعالى: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم:"المجادلة: 18"فسيجيء إن شاء الله تعالى أن ذلك إنما هو لإيجاب ملكة الكذب التي حصلوها في الدنيا لا للإخفاء وكتمان الحديث يوم لا يخفى على الله منهم شيء.

في تفسير العياشي ، في قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا الآية: عن سلام الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام) : نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي علي (عليه السلام) .

ثم قال: وروي مثل ذلك في حديث ابن جبلة. قال: قال: وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا وعلي أبوا هذه الأمة.

أقول: وقال البحراني في تفسير البرهان ، بعد نقل الحديث: قلت: وروى ذلك صاحب الفائق.

وروى العياشي هذا المعنى عن أبي بصير عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) ، ورواه ابن شهرآشوب عن أبان عن أبي جعفر (عليه السلام) .

والذي تعرض له الخبر هو من بطن القرآن بالمعنى الذي بحثنا عنه في مبحث المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من هذا الكتاب ، إذ الأب أو الوالد هو المبدأ الإنساني لوجود الإنسان والمربي له ، فمعلم الإنسان ومربيه للكمال أبوه فمثل النبي والولي عليهما أفضل الصلاة أحق أن يكون أبا للمؤمن المهتدي به ، المقتبس من أنوار علومه ومعارفه من الأب الجسماني الذي لا شأن له إلا المبدئية والتربية في الجسم فالنبي والولي أبوان ، والآيات القرآنية التي توصي الولد بوالديه تشملهما بحسب الباطن وإن كانت بحسب ظاهرها لا تعدو الأبوين الجسمانيين.

وفي تفسير العياشي ، أيضا عن أبي صالح عن أبي العباس في قول الله: والجار ذي القربى والجار الجنب قال: الذي ليس بينك وبينه قرابة ، والصاحب بالجنب قال: الصاحب في السفر.

أقول: قوله: الذي ليس بينك ، تفسير الجار ذي القربى والجنب معا وإن أمكن رجوعه إلى الجار الجنب فقط ، وقوله: الصاحب في السفر لعله من قبيل ذكر بعض المصاديق.

وفيه ، عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن جده قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : في خطبة يصف هول يوم القيامة: ختم على الأفواه فلا تكلم ، وتكلمت الأيدي ، وشهدت الأرجل ، وأنطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثا.

واعلم ، أن الأخبار كثيرة من طرق أهل السنة في أن الآيات نازلة في حق اليهود ، وهي وإن كان يؤيدها ما ينتهي إليه ذيل الآيات من التعرض لحال أهل الكتاب من اليهود في بخلهم وولعهم بجمع المال وادخاره وكذا وسوستهم للمؤمنين وترغيبهم على الكف عن الإنفاق في سبيل الله وتفتينهم إياهم وإخزائهم لهم ، وإفساد الأمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن الأخبار المذكورة مع ذلك أشبه بالتطبيق النظري منها بنقل السبب في النزول كما هو الغالب في الأخبار الناقلة لأسباب النزول ، ولذلك تركنا نقلها على كثرتها.

واعلم أيضا أن الأخبار الواردة عن النبي وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) في إحسان الوالدين وذي القربى واليتامى وغيرهم من الطوائف المذكورة في الآية فوق حد الإحصاء على معروفيتها وشهرتها ، وهو الموجب للإغماض عن إيرادها هاهنا على أن لكل منها وحده مواقع خاصة في القرآن ، ذكر ما يخصها من الأخبار هناك أنسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت