4 سورة النساء - 36 - 42
وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلا تُشرِكُوا بِهِ شيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسنًا وَبِذِى الْقُرْبى وَالْيَتَمَى وَالْمَسكِينِ وَالجَْارِ ذِى الْقُرْبى وَالجَْارِ الْجُنُبِ وَالصاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السبِيلِ وَمَا مَلَكَت أَيْمَنُكُمْ إِنّ اللّهَ لا يحِب مَن كانَ مخْتَالًا فَخُورًا (36) الّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاس بِالْبُخْلِ وَيَكتُمُونَ مَا ءَاتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكفِرِينَ عَذَابًا مّهِينًا (37) وَالّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِئَاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَن يَكُنِ الشيْطنُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (38) وَمَا ذَا عَلَيهِمْ لَوْ ءَامَنُوا بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَنفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكانَ اللّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنّ اللّهَ لا يَظلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ وَإِن تَك حَسنَةً يُضعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْف إِذَا جِئْنَا مِن كلِّ أُمّةِ بِشهِيدٍ وَجِئْنَا بِك عَلى هَؤُلاءِ شهِيدًا (41) يَوْمَئذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا وَعَصوُا الرّسولَ لَوْ تُسوّى بهِمُ الأَرْض وَلا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا (42)
آيات سبع فيها حث على الإحسان والإنفاق في سبيل الله ووعد جميل عليه ، وذم على تركه إما بالبخل أو بالإنفاق مراءاة للناس.
قوله تعالى:"و اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا"هذا هو التوحيد غير أن المراد به التوحيد العملي ، وهو إتيان الأعمال الحسنة - ومنها الإحسان الذي هو مورد الكلام - طلبا لمرضاة الله وابتغاء لثواب الآخرة دون اتباع الهوى والشرك به.
والدليل على ذلك أنه تعالى عقب هذا الكلام أعني قوله: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وعلله بقوله: إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ، وذكر أنه البخيل بماله والمنفق لرئاء الناس ، فهم الذين يشركون بالله ولا يعبدونه وحده ، ثم قال: وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا ، وظهر بذلك أن شركهم عدم إيمانهم باليوم الآخر ، وقال تعالى: ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب:"ص: 26"فبين أن الضلال باتباع الهوى - وكل شرك ضلال - إنما هو بنسيان يوم الحساب ، ثم قال: أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم:"الجاثية: 23"فبين أن اتباع الهوى عبادة له وشرك به.
فتبين بذلك كله أن التوحيد العملي أن يعمل الإنسان ابتغاء مثوبة الله وهو على ذكر من يوم الحساب الذي فيه ظهور المثوبات والعقوبات ، وأن الشرك في العمل أن ينسى اليوم الآخر - ولو آمن به لم ينسه - وأن يعمل عمله لا لطلب مثوبة بل لما يزينه له هواه من التعلق بالمال أو حمد الناس ونحو ذلك ، فقد أشخص هذا الإنسان هواه تجاه ربه ، وأشرك به.
فالمراد بعبادة الله والإخلاص له فيها أن يكون طلبا لمرضاته ، وابتغاء لمثوبته لا لاتباع الهوى.
قوله تعالى:"و بالوالدين إحسانا"إلى قوله:"أيمانكم"الظاهر أن قوله: إحسانا مفعول مطلق لفعل مقدر ، تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، والإحسان يتعدى بالباء وإلى معا يقال: أحسنت به وأحسنت إليه ، وقوله: وبذي القربى ، هو وما بعده معطوف على الوالدين ، وذو القربى القرابة ، وقوله: والجار ذي القربى والجار الجنب قرينة المقابلة في الوصف تعطي أن يكون المراد بالجار ذي القربى الجار القريب دارا ، وبالجار الجنب - وهو الأجنبي - الجار البعيد دارا ، وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : تحديد الجوار بأربعين ذراعا ،: وفي رواية: أربعون دارا ، ولعل الروايتين ناظرتان إلى الجار ذي القربى والجار الجنب.