فهرس الكتاب

الصفحة 3306 من 4314

و هي اليوم مجهولة المحل لا أثر منها وربما يقال: إن الماء غمرها بعد وهي بحر لوط ، لكن الآية ظاهرة - كما ترى - أنها كانت ظاهرة معروفة في زمن نزول القرآن وأوضح منها قوله تعالى:"و إنها لبسبيل مقيم": الحجر: 76 ، وقوله:"و إنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أ فلا تعقلون": الصافات: 138.

قوله تعالى:"و إلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين"يدعوهم إلى عبادة الله وهو التوحيد وإلى رجاء اليوم الآخر وهو الاعتقاد بالمعاد وأن لا يفسدوا في الأرض وكانت عمدة إفسادهم فيها - على ما ذكر في قصتهم في مواضع أخر - نقص الميزان والمكيال.

قوله تعالى:"فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين"الرجفة الاضطراب الشديد على ما ذكره الراغب ، والجثم والجثوم في المكان القعود فيه أو البروك على الأرض وهو كناية عن الموت والمعنى: فكذبوا شعيبا فأخذهم الاضطراب الشديد أو الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم ميتين لا حراك بهم.

وقال في قصتهم في موضع آخر:"و أخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين": هود: 94 ، ويستظهر من ذلك أنهم أهلكوا بالصيحة والرجفة.

قوله تعالى:"و عادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم"إلى آخر الآية غير السياق تفننا فبدأ بذكر عاد وثمود وكذا في الآية التالية بدأ بذكر قارون وفرعون وهامان بخلاف قصص الأمم المذكورين سابقا حيث بدأ بذكر أنبيائهم كنوح وإبراهيم ولوط وشعيب.

وقوله:"و عادا وثمود"منصوبان بفعل مقدر تقديره واذكر عادا وثمود.

وقوله:"و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين"تزيين الشيطان لهم أعمالهم كناية استعارية عن تحبيب أعمالهم السيئة إليهم وتأكيد تعلقهم بها وصده إياهم عن السبيل صرفهم عن سبيل الله التي هي سبيل الفطرة ، ولذا قال بعضهم: إن المراد بكونهم مستبصرين أنهم كانوا قبل ذلك على الفطرة الساذجة.

لكن الظاهر كما تقدم في تفسير قوله:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين": البقرة: 213 أن عهد الفطرة الساذجة كان قبل بعثة نوح (عليه السلام) وعاد وثمود كانوا بعد نوح فكونهم مستبصرين قبل انصدادهم عن السبيل هو كونهم يعيشون على عبادة الله ودين التوحيد وهو دين الفطرة.

قوله تعالى:"و قارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين"السبق استعارة كنائية من الغلبة ، والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"فكلا أخذنا بذنبه"إلى آخر الآية أي كل واحدة من الأمم المذكورين أخذناها بذنبها ثم أخذ في التفصيل فقال:"فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا"والحاصب الحجارة وقيل: الريح التي ترمي بالحصى وعلى الأول فهم قوم لوط ، وعلى الثاني قوم عاد"و منهم من أخذته الصيحة"وهم قوم ثمود وقوم شعيب"و منهم من خسفنا به الأرض"وهو قارون"و منهم من أغرقنا"وهم قوم نوح وفرعون وهامان وقومهما.

ثم عاد سبحانه إلى كافة القصص المذكورة وما انتهى إليه أمر تلك الأمم من الأخذ والعذاب فبين ببيان عام أن الذي أوقعهم فيما وقعوا لم يكن بظلم منه سبحانه بل بظلم منهم لأنفسهم فقال:"و ما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"أي فيجازيهم الله على ظلمهم لأن الدار دار الفتنة والامتحان وهي السنة الإلهية التي لا معدل عنها فمن اهتدى فقد اهتدى لنفسه ومن ضل فعليها.

في الكافي ، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في حديث يذكر فيه معاني الكفر قال: والوجه الخامس من الكفر كفر البراءة قال تعالى:"و قال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا - مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة - يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا"يعني يتبرأ بعضكم من بعض الحديث.

أقول: وروي هذا المعنى في التوحيد ، عن علي (عليه السلام) : في حديث طويل يجيب فيه عما سئل عنه من تهافت الآيات وفيه: والكفر في هذه الآية البراءة يقول: يتبرأ بعضهم من بعض ، ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان:"إني كفرت بما أشركتمون من قبل"وقول إبراهيم خليل الرحمن:"كفرنا بكم"أي تبرأنا"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت