الاتصال البين بين الآيات أعني الارتباط الظاهر بين فرض القتال ، والترغيب في القرض الحسن ، والمعنى المحصل من قصة طالوت وداود وجالوت يعطي أن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة ، والمراد بيان ما للقتال من شئون الحياة ، والروح الذي به تقدم الأمة في حياتهم الدينية ، والدنيوية ، وسعادتهم الحقيقية ، يبين سبحانه فيها فرض الجهاد ، ويدعو إلى الإنفاق والبذل في تجهيز المؤمنين وتهيئة العدة والقوة ، وسماه إقراضا لله لكونه في سبيله ، مع ما فيه من كمال الاسترسال والإيذان بالقرب ، ثم يقص قصة طالوت وجالوت وداود ليعتبر بها هؤلاء المؤمنون المأمورون بالقتال مع أعداء الدين ويعلموا أن الحكومة والغلبة للإيمان والتقوى وإن قل حاملوهما ، والخزي والفناء للنفاق والفسق وإن كثر جمعهما ، فإن بني إسرائيل ، وهم أصحاب القصة ، كانوا أذلاء مخزيين ما داموا على الخمود والكسل والتواني ، فلما قاموا لله وقاتلوا في سبيل الله واستظهروا بكلمة الحق وإن كان الصادق منهم في قوله القليل منهم ، وتولى أكثرهم عند إنجاز القتال أولا ، وبالاعتراض على طالوت ثانيا ، وبالشرب من النهر ثالثا ، وبقولهم: لا طاقة لنا بجالوت وجنوده رابعا ، نصرهم الله تعالى على عدوهم فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت واستقر الملك فيهم ، وعادت الحياة إليهم ، ورجع إليهم سؤددهم وقوتهم ، ولم يكن ذلك كله إلا لكلمة أجراها الإيمان والتقوى على لسانهم لما برزوا لجالوت وجنوده ، وهي قولهم: ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، فكذلك ينبغي للمؤمنين أن يسيروا بسيرة الصالحين من الماضين ، فهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.
قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الآية ، فرض وإيجاب للجهاد ، وقد قيده تعالى هاهنا وسائر المواضع من كلامه بكونه في سبيل الله لئلا يسبق إلى الوهم ولا يستقر في الخيال أن هذه الوظيفة الدينية المهمة لإيجاد السلطة الدنيوية الجافة ، وتوسعة المملكة الصورية ، كما تخيله الباحثون اليوم في التقدم الإسلامي من الاجتماعيين وغيرهم ، بل هو لتوسعة سلطة الدين التي فيها صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم.
وفي قوله تعالى: واعلموا أن الله سميع عليم ، تحذير للمؤمنين في سيرهم هذا السير أن لا يخالفوا بالقول إذا أمر الله ورسوله بشيء ، ولا يضمروا نفاقا كما كان ذلك من بني إسرائيل حيث تكلموا في أمر طالوت فقالوا: أنى يكون له الملك علينا"إلخ"، وحيث قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ، وحيث فشلوا وتولوا لما كتب عليهم القتال وحيث شربوا من النهر بعد ما نهاهم طالوت عن شربه.
قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا إلى قوله أضعافا كثيرة ، القرض معروف وقد عد الله سبحانه ما ينفقونه في سبيله قرضا لنفسه لما مر أنه للترغيب ، ولأنه إنفاق في سبيله ، ولأنه مما سيرد إليهم أضعافا مضاعفة.
وقد غير سياق الخطاب من الأمر إلى الاستفهام فقيل بعد قوله: وقاتلوا في سبيل الله: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ، ولم يقل: قاتلوا في سبيل الله وأقرضوا ، لينشط بذلك ذهن المخاطب بالخروج من حيز الأمر غير الخالي من كلفة التكليف إلى حيز الدعوة والندب فيستريح بذلك ويتهيج.
قوله تعالى: والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون ، - القبض - الأخذ بالشيء إليك ويقابله البسط ، و- البصط - هو البسط قلب سينه صادا لمجاورته حرف الإطباق والتفخيم وهو الطاء.
وإيراد صفاته الثلاثة أعني: كونه قابضا وباسطا ومرجعا يرجعون إليه للإشعار بأن ما أنفقوه بإقراضه تعالى لا يعود باطلا ولا يستبعد تضعيفه أضعافا كثيرة فإن الله هو القابض الباسط ، ينقص ما شاء ، ويزيد ما شاء ، وإليه يرجعون فيوفيهم ما أقرضوه أحسن التوفية.
قوله تعالى: أ لم تر إلى الملإ من بني إسرائيل إلى قوله: في سبيل الله ، - الملأ - كما قيل: الجماعة من الناس على رأي واحد ، سميت بالملإ لكونها تملأ العيون عظمة وأبهة.