و قولهم لنبيهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ، على ما يعطيه السياق يدل على أن الملك المسمى بجالوت كان قد تملكهم ، وسار فيهم بما افتقدوا به جميع شئون حياتهم المستقلة من الديار والأولاد بعد ما كان الله أنجاهم من آل فرعون ، يسومونهم سوء العذاب ببعثة موسى وولايته وولاية من بعده من أوصيائه ، وبلغ من اشتداد الأمر عليهم ما انتبه به الخامد من قواهم الباطنة ، وعاد إلى أنفسهم العصبية الزائلة المضعفة فعند ذلك سأل الملأ منهم نبيهم أن يبعث لهم ملكا ليرتفع به اختلاف الكلمة من بينهم وتجتمع به قواهم المتفرقة الساقطة عن التأثير ، ويقاتلوا تحت أمره في سبيل الله.
قوله تعالى: قال: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ، كان بنو إسرائيل سألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله وليس ذلك للنبي بل الأمر في ذلك إلى الله سبحانه ، ولذلك أرجع نبيهم الأمر في القتال وبعث الملك إلى الله تعالى ، ولم يصرح باسمه تعظيما لأن الذي أجابهم به هو السؤال عن مخالفتهم وكانت مرجوة منهم ظاهرة من حالهم بوحيه تعالى فنزه اسمه تعالى من التصريح به بل إنما أشار إلى أن الأمر منه وإليه تعالى بقوله: إن كتب ، و- الكتابة - وهي الفرض إنما تكون من الله تعالى.
وقد كانت المخالفة والتولي عن القتال مرجوا منهم لكنه أورده بطريق الاستفهام ليتم الحجة عليهم بإنكارهم فيما سيجيبون به من قولهم: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله.
قوله تعالى: قالوا: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا ، - الإخراج - من البلاد لما كان ملازما للتفرقة بينهم وبين أوطانهم المألوفة ، ومنعهم عن التصرف فيها والتمتع بها ، كني به عن مطلق التصرف والتمتع ، ولذلك نسب الإخراج إلى الأبناء أيضا كما نسب إلى البلاد.
قوله تعالى: فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ، تفريع على قول نبيهم: هل عسيتم"إلخ"، وقولهم: وما لنا أن لا نقاتل ، وفي قوله تعالى: والله عليم بالظالمين ، دلالة على أن قول نبيهم لهم: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ، إنما كان لوحي من الله سبحانه: أنهم سيتولون عن القتال.
قوله تعالى: وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث إلى قوله: من المال في جوابه (عليه السلام) هذا حيث نسب بعث الملك إلى الله تنبيه بما فات منهم إذ قالوا لنبيهم ابعث لنا ملكا نقاتل ولم يقولوا: اسأل الله أن يبعث لنا ملكا ويكتب لنا القتال.
وبالجملة التصريح باسم طالوت هو الذي أوجب منهم الاعتراض على ملكه وذلك لوجود صفتين فيه كانتا تنافيان عندهم الملك ، وهما ما حكاهما الله تعالى من قولهم أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ، ومن المعلوم أن قولهم هذا لنبيهم ، ولم يستدلوا على كونهم أحق بالملك منه بشيء يدل على أن دليله كان أمرا بينا لا يحتاج إلى الذكر ، وليس إلا أن بيت النبوة وبيت الملك في بني إسرائيل وهما بيتان مفتخران بموهبة النبوة والملك كانتا غير البيت الذي كان منه طالوت ، وبعبارة أخرى لم يكن طالوت من بيت الملك ولا من بيت النبوة ولذلك اعترضوا على ملكه بأنى ، وهم أهل بيت الملك أو الملك والنبوة معا ، أحق بالملك منه لأن الله جعل الملك فينا فكيف يقبل الانتقال إلى غيرنا ، وهذا الكلام منهم من فروع قولهم بنفي البداء وعدم جواز النسخ والتغيير حيث قالوا: يد الله مغلولة غلت أيديهم ، وقد أجاب عنه نبيهم بقوله: إن الله اصطفاه عليكم فهذه إحدى الصفتين المنافيتين للملك عندهم ، والصفة الثانية ما في قولهم: ولم يؤت سعة من المال وقد كان طالوت فقيرا ، وقد أجاب عنه نبيهم بقوله: وزاده بسطة في العلم والجسم"إلخ".
قوله تعالى: قال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ، الاصطفاء والاستصفاء - الاختيار وأصله الصفو ، و- البسطة - هي السعة والقدرة ، وهذان جوابان عن اعتراضهم.
أما اعتراضهم بكونهم أحق بالملك من طالوت لشرف بيتهم ، فجوابه: أن هذه مزية كان الله سبحانه خص بيتهم بها وإذا اصطفى عليهم غيرهم كان أحق بالملك منهم ، وكان الشرف والتقدم لبيته على بيوتهم ولشخصه على أشخاصهم ، فإنما الفضل يتبع تفضيله تعالى.