و بالجملة فأجابه الله تعالى بأن أمره بأن يأخذ أربعة من الطير ولعل اختيار الطير لكون هذا العمل فيها أسهل وأقل زمانا فيشاهد حياتها ويرى اختلاف أشخاصها وصورها ، ويعرفها معرفة تامة أولا ، ثم يقتلها ويخلط أجزاءها خلطا دقيقا ثم يجعل ذلك أبعاضا ، وكل بعض منها على جبل لتفقد التميز والتشخص ، وتزول المعرفة ، ثم يدعوهن يأتينه سعيا ، فإنه يشاهد حينئذ أن التميز والتصور بصورة الحياة كل ذلك تابع للدعوة التي تتعلق بأنفسها ، أي إن أجسادها تابعة لأنفسها لا بالعكس فإن البدن فرع تابع للروح لا بالعكس ، بل نسبة البدن إلى الروح بوجه نسبة الظل إلى الشاخص ، فإذا وجد الشاخص تبع وجوده وجود الظل وإلى أي حال تحول الشاخص أو أجزاؤه تبعه فيه الظل حتى إذا انعدم تبعه في الانعدام ، والله سبحانه إذا أوجد حيا من الأحياء ، أو أعاد الحياة إلى أجزاء مسبوقة بالحياة فإنما يتعلق إيجاده بالروح الواجدة للحياة أولا ثم يتبعه أجزاء المادة بروابط محفوظة عند الله سبحانه لا نحيط بها علما فيتعين الجسد بتعين الروح من غير فصل ولا مانع وبذلك يشعر قوله تعالى: ثم ادعهن يأتينك سعيا أي مسرعات مستعجلات.
وهذا هو الذي يستفاد من قوله تعالى:"و قالوا أ إذا ضللنا في الأرض أ إنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون:"السجدة - 11 ، وقد مر بعض الكلام في الآية في البحث عن تجرد النفس ، وسيأتي تفصيل الكلام في محله إن شاء الله.
فقوله تعالى: فخذ أربعة من الطير إنما أمر بذلك ليعرفها فلا يشك فيها عند إعادة الحياة إليها ولا ينكرها ، وأ ما هي عليه من الاختلاف والتميز أولا وزوالهما ثانيا ، وقوله: فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا أي اذبحهن وبدد أجزاءهن واخلطها ثم فرقها على الجبال الموجودة هناك لتتباعد الأجزاء وهي غير متميزة ، وهذا من الشواهد على أن القصة إنما وقعت بعد مهاجرة إبراهيم من أرض بابل إلى سورية فإن أرض بابل لا جبل بها ، وقوله ثم ادعهن ، أي ادع الطيور يا طاووس ويا فلان ويا فلان ، ويمكن أن يستفاد ذلك مضافا إلى دلالة ضمير"هن"الراجعة إلى الطيور من قوله: ادعهن ، فإن الدعوة لو كانت لأجزاء الطيور دون أنفسها كان الأنسب أن يقال: ثم نادهن فإنها كانت على جبال بعيدة عن موقفه (عليه السلام) واللفظ المستعمل في البعيد خاصة هو النداء دون الدعاء ، وقوله: يأتينك سعيا ، أي يتجسدن واتصفن بالإتيان والإسراع إليك.
قوله تعالى: واعلم أن الله عزيز حكيم ، أي عزيز لا يفقد شيئا بزواله عنه ، حكيم لا يفعل شيئا إلا من طريقه اللائق به ، فيوجد الأجساد بإحضار الأرواح وإيجادها دون العكس.
وفي قوله تعالى: واعلم أن"إلخ"، دون أن يقال إن الله"إلخ"، دلالة على أن الخطور القلبي الذي كان إبراهيم يسأل ربه المشاهدة ليطمئن قلبه من ناحيته كان راجعا إلى حقيقة معنى الاسمين: العزيز الحكيم ، فأفاده الله سبحانه بهذا الجواب العلم بحقيقتهما.
في الدر المنثور ،: في قوله تعالى: أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه الآية: ، أخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الذي حاج إبراهيم في ربه هو نمرود بن كنعان.
وفي تفسير البرهان ،: أبو علي الطبرسي قال: اختلف في وقت هذه المحاجة فقيل عند كسر الأصنام قبل إلقائه في النار ، عن مقاتل ، وقيل بعد إلقائه في النار وجعلها عليه بردا وسلاما ، عن الصادق (عليه السلام) .
أقول: الآية وإن لم تتعرض لكونها قبل أو بعد لكن الاعتبار يساعد كونها بعد الإلقاء في النار ، فإن قصصه المذكورة في القرآن في بدو أمره من محاجته أباه وقومه وكسره الأصنام تعطي أن أول ما لاقى إبراهيم (عليه السلام) نمرود وكان حين رفع أمره إليه في قضية كسر الأصنام مجرما عندهم ، فحكم عليه بالإحراق ، وكان القضاء عليه في جرمه شاغلا عن تكليمه في أمر ربه: أ هو الله أو نمرود؟ ولو حاجه نمرود حينئذ لحاجه في أمر الله وأمر الأصنام دون أمر الله وأمر نفسه!.