فقوله:"قال فاذهب"قضاء بطرده عن المجتمع بحيث لا يخالط القوم ولا يمس أحدا ولا يمسه أحد بأخذ أو عطاء أو إيواء أو صحبة أو تكليم وغير ذلك من مظاهر الاجتماع الإنساني وهو من أشق أنواع العذاب ، وقوله:"فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس"- ومحصله أنه تقرر وحق عليك أن تعيش فردا ما دمت حيا - كناية عن تحسره المداوم من الوحدة والوحشة.
وقيل: إنه دعاء من موسى عليه وأنه ابتلي إثر دعائه بمرض عقام لا يقترب منه أحد إلا حمي حمى شديدة فكان يقول لمن اقترب منه: لا مساس لا مساس ، وقيل: ابتلي بوسواس فكان يتوحش ويفر من كل من يلقاه وينادي لا مساس وهو وجه حسن لو صح الخبر.
وقوله:"و إن لك موعدا لن تخلفه"ظاهره أنه إخبار عن هلاكه في وقت عينه الله وقضاه قضاء محتوما ويحتمل الدعاء عليه ، وقيل: المراد به عذاب الآخرة.
قوله تعالى:"و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا"قال في المجمع ،: يقال: نسف فلان الطعام إذا ذرأه بالمنسف ليطير عنه قشوره.
انتهى.
وقوله:"و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا"أي ظللت ودمت عليه عاكفا لازما ، وفيه دلالة على أنه كان اتخذه إلها له يعبده.
وقوله:"لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا"أي أقسم لنحرقنه بالنار ثم لنذرينه في البحر ذروا ، وقد استدل بحديث إحراقه على أنه كان حيوانا ذا لحم ودم ولو كان ذهبا لم يكن لإحراقه معنى ، وهذا يؤيد تفسير الجمهور السابق أنه صار حيوانا ذا روح بإلقاء التراب المأخوذ من أثر جبريل عليه.
لكن الحق أنه إنما يدل على أنه لم يكن ذهبا خالصا لا غير.
وقد احتمل بعضهم أن يكون لنحرقنه من حرق الحديد إذا برده بالمبرد ، والمعنى: لنبردنه بالمبرد ثم لنذرين برادته في البحر وهذا أنسب.
قوله تعالى:"إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما"الظاهر أنه من تمام كلام موسى (عليه السلام) يخاطب به السامري وبني إسرائيل وقد قرر بكلامه هذا توحده تعالى في ألوهيته فلا يشاركه فيها غيره من عجل أو أي شريك مفروض ، وهو بسياقه من لطيف الاستدلال فقد استدل فيه بأنه تعالى هو الله على أنه لا إله إلا هو وبذلك على أنه لا غير إلههم.
قيل: وفي قوله:"وسع كل شيء علما"دلالة على أن المعدوم يسمى شيئا لكونه معلوما وفيه مغالطة فإن مدلول الآية أن كل ما يسمى شيئا فقد وسعه علمه لا أن كل ما وسعه علمه فهو يسمى شيئا والذي ينفع المستدل هو الثاني دون الأول.
في التوحيد ، بإسناده إلى حمزة بن الربيع عمن ذكره قال: كنت في مجلس أبي جعفر (عليه السلام) إذ دخل عليه عمرو بن عبيد فقال له: جعلت فداك قول الله تبارك وتعالى: -"و من يحلل عليه غضبي فقد هوى"ما ذلك الغضب؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) : هو العقاب يا عمرو إنه من زعم أن الله عز وجل زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق ، إن الله عز وجل لا يستفزه شيء ولا يغيره.
أقول: وروى ما في معناه الطبرسي في الاحتجاج مرسلا.
وفي الكافي ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إن الله تبارك وتعالى لا يقبل إلا العمل الصالح ولا يقبل الله إلا الوفاء بالشروط والعهود فمن وفى لله بشرطه واستعمل ما وصف في عهده نال ما عنده واستكمل وعده إن الله تبارك وتعالى أخبر العباد بطرق الهدى ، وشرع لهم فيها المنار ، وأخبرهم كيف يسلكون؟ فقال:"و إني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى"وقال:"إنما يتقبل الله من المتقين"فمن اتقى الله فيما أمره لقي الله مؤمنا بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفي المجمع ،: قال أبو جعفر (عليه السلام) :"ثم اهتدى"إلى ولايتنا أهل البيت فو الله لو أن رجلا عبد الله عمره ما بين الركن والمقام ثم مات ولم يجيء بولايتنا لأكبه الله في النار على وجهه: ، رواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده وأورده العياشي في تفسيره ، بعدة طرق. أقول: ورواه في الكافي ، بإسناده عن سدير عنه (عليه السلام) وفي تفسير القمي ، بإسناده عن الحارث بن عمر عنه (عليه السلام) وفي مناقب ابن شهرآشوب ، عن أبي الجارود وأبي الصباح الكناسي عن الصادق (عليه السلام) وعن أبي حمزة عن السجاد (عليه السلام) : مثله ولفظه: إلينا أهل البيت.