أَلا إِنهُمْ يَثْنُونَ صدُورَهُمْ لِيَستَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَستَغْشونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ (5) وَمَا مِن دَابّةٍ في الأَرْضِ إِلا عَلى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُستَقَرّهَا وَمُستَوْدَعَهَا كلّ في كتَبٍ مّبِينٍ (6) وَهُوَ الّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَالأَرْض في سِتّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشهُ عَلى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكمْ أَيّكُمْ أَحْسنُ عَمَلًا وَلَئن قُلْت إِنّكُم مّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنّ الّذِينَ كفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مّبِينٌ (7) وَلَئنْ أَخّرْنَا عَنهُمُ الْعَذَاب إِلى أُمّةٍ مّعْدُودَةٍ لّيَقُولُنّ مَا يحْبِسهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْس مَصرُوفًا عَنهُمْ وَحَاقَ بهِم مّا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ (8) وَلَئنْ أَذَقْنَا الانسنَ مِنّا رَحْمَةً ثُمّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنّهُ لَيَئُوسٌ كفُورٌ (9) وَلَئنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضرّاءَ مَستْهُ لَيَقُولَنّ ذَهَب السيِّئَات عَنى إِنّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلا الّذِينَ صبرُوا وَعَمِلُوا الصلِحَتِ أُولَئك لَهُم مّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كبِيرٌ (11) فَلَعَلّك تَارِك بَعْض مَا يُوحَى إِلَيْك وَضائقُ بِهِ صدْرُك أَن يَقُولُوا لَوْ لا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنّمَا أَنت نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلى كلِّ شىْءٍ وَكيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْترَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشرِ سوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْترَيَتٍ وَادْعُوا مَنِ استَطعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ (13) فَإِلّمْ يَستَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مّسلِمُونَ (14) مَن كانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدّنْيَا وَزِينَتهَا نُوَف إِلَيهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسونَ (15) أُولَئك الّذِينَ لَيْس لهَُمْ في الاَخِرَةِ إِلا النّارُ وَحَبِط مَا صنَعُوا فِيهَا وَبَطِلٌ مّا كانُوا يَعْمَلُونَ (16)
جمل وفصول من أعمال المشركين وأقوالهم في الرد على نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما نزل عليه من الكتاب تذكرها الآيات وتجيب عنها بإلقاء الحجة كاستخفائهم من الله ، وقولهم: ما يحبس العذاب عنا ، وقولهم: لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ، وقولهم: إنه افترى القرآن.
وفيها بعض معارف أخر.
قوله تعالى:"ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه"إلى آخر الآية ، ثنى الشيء يثناه ثنيا كفتح يفتح فتحا أي عطفه وطواه ورد بعضه على بعض قال في المجمع ،: أصل الثني العطف تقول: ثنيته عن كذا أي عطفته ، ومنه الاثنان لعطف أحدهما على الآخر في المعنى ، ومنه الثناء لعطف المناقب في المدح ، ومنه الاستثناء لأنه عطف عليه بالإخراج منه ، انتهى.
وقال أيضا: الاستخفاء طلب خفاء الشيء يقال: استخفى وتخفى بمعنى ، وكذلك استغشى وتغشى ، انتهى.
فالمراد بقوله:"يثنون صدورهم ليستخفوا منه"أنهم يميلون بصدورهم إلى خلف ويطأطئون رءوسهم ليتخفوا من الكتاب أي من استماعه حين تلاوته وهو كناية عن استخفائهم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن حضر عنده حين تلاوة القرآن عليهم للتبليغ لئلا يروا هناك فتلزمهم الحجة.
وقوله:"ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم"إلخ ، كأنهم كانوا يسترون رءوسهم أيضا بثيابهم عند استخفائهم بثني الصدور فذكر الله سبحانه ذلك وأخبر أنه تعالى يعلم عند ذلك ما يسرون وما يعلنون فما يغنيهم التخفي عن استماع القرآن والله يعلم سرهم وعلانيتهم.
وقيل: إن المراد باستغشائهم ثيابهم هو الاستغشاء في بيوتهم ليلا عند أخذ المضاجع للنوم ، وهو أخفى ما يكون فيه الإنسان وأخلى أحواله ، والمعنى: أنهم يثنون صدورهم ليستخفوا من هذا الكتاب عند تلاوته عليهم ، والله يعلم سرهم وعلانيتهم في أخفى ما يكونون عليه من الحال وهو حال تغشيهم بثيابهم للنوم ، ولا يخلو الوجه من ظهور.