فهرس الكتاب

الصفحة 2077 من 4314

هذا ما يفيده السياق في معنى الآية ، وربما ذكر لها معان أخر بعيدة من السياق منها قولهم: إن الضمير في ليستخفوا منه"راجع إليه تعالى أو إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنها قول بعضهم:"يثنون صدورهم"أي يطوونها على الكفر ، وقول آخرين: أي يطوونها على عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غير ذلك من المعاني المذكورة وهي جميعا معان بعيدة."

قوله تعالى:"و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها"إلى آخر الآية ، الدابة على ما في كتب اللغة كل ما يدب ويتحرك ، ويكثر استعماله في النوع الخاص منه ، وقرينة المقام تقتضي كون المراد منه العموم لظهور أن الكلام مسوق لبيان سعة علمه تعالى ، ولذلك عقب به قوله:"ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور".

وهذا المعنى أعني كون ذكر وجوب رزق كل دابة على الله لبيان سعة علمه لكل دابة في جميع أحوالها يستوجب أن يكون قوله:"و يعلم مستقرها ومستودعها"بمنزلة عطف التفسير لقوله:"على الله رزقها"فيعود المعنى إلى أن كل دابة من دواب الأرض على الله أن يرزقها - ولن تبقى بغير رزق - فهو تعالى عليم بها خبير بحالها أينما كانت فإن كانت في مستقر لا تخرج منه كالحوت في الماء وكالصدف فيما وقعت واستقرت فيه من الأرض رزقها هناك وإن كانت خارجة من مستقرها وهي في مستودع ستتركه إلى مستقرها كالطير في الهواء أو كالمسافر الغارب عن وطنه أو كالجنين في الرحم رزقها هناك وبالجملة هو تعالى عالم بحال كل دابة في الأرض وكيف لا وعليه تعالى رزقها ولا يصيب الرزق المرزوق إلا بعلم من الرازق بالمرزوق وخبرة منه بما حل فيه من محل دائم أو معجل ومستقر أو مستودع.

ومن هنا يظهر أن المراد بالمستقر والمستودع المحل الذي تستقر فيه الدابة ما دامت دابة تدب في الأرض وتعيش عيشة دنيوية والمحل الذي تحل فيه ثم تودعه وتفارقه ، وأما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالمستقر والمستودع أماكنها في الحياة وبعد الممات أو أن المراد بهما الأصلاب والأرحام أو أن المراد بهما مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل ومودعها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة فمعان بعيدة عن سياق الآية اللهم إلا أن يجعل قوله:"و يعلم مستقرها ومستودعها"كلاما مستأنفا بحياله غير مفسر لما قبله.

وقد تقدم في قوله تعالى:"و هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع:"الأنعام - 98 ما يناسب هذا المقام فليراجع إليه من شاء.

وأما قوله:"على الله رزقها"فهو دال على وجوب الرزق عليه تعالى وقد تكرر في القرآن أن الرزق من أفعاله تعالى المختصة به وأنه حق للخلق عليه تعالى قال تعالى:"أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه:"الملك: - 21 ، وقال تعالى:"إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين:"الذاريات: - 58 وقال تعالى:"و في السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون:"الذاريات: - 23.

ولا ضير في أن يثبت عليه تعالى حق لغيره إذا كان تعالى هو الجاعل الموجب لذلك على نفسه من غير أن يداخل فيه غيره ، ولذلك نظائر في كلامه تعالى كما قال:"كتب على نفسه الرحمة:"الأنعام: - 12 ، وقال:"و كان حقا علينا نصر المؤمنين:"الروم: - 47 إلى غير ذلك من الآيات.

والاعتبار العقلي يؤيد ذلك فإن الرزق هو ما يديم به المخلوق الحي وجوده وإذ كان وجوده من فيض جوده تعالى فما يتوقف عليه من الرزق من قبله ، وإذ لا شريك له تعالى في إيجاده لا شريك له في ما يتوقف عليه وجوده كالرزق.

وقد تقدم بعض الكلام في معنى الكتاب المبين في سورة الأنعام آية: 59 وفي سورة يونس آية: 61 فليراجع.

قوله تعالى:"و هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء"الكلام المستوفى في توصيف خلق السماوات والأرض على ما يظهر من كلامه تعالى ويفسره ما ورد في ذلك عن أهل العصمة (عليهم السلام) موكول إلى ما سيأتي من تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت