فهرس الكتاب

الصفحة 2584 من 4314

و ملخص الجواب مأخوذ من جميع الآيات الثلاث أن ما اتهمتموه به أن بشرا يعلمه ثم هو ينسبه إلى الله افتراء إن أردتم أنه يعلمه القرآن بلفظه بالتلقين عليه وأن القرآن كلامه لا كلام الله فجوابه أن هذا الرجل لسانه أعجمي وهذا القرآن عربي مبين.

وإن أردتم أن الرجل يعلمه معاني القرآن - واللفظ لا محالة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - وهو ينسبه إلى الله افتراء عليه فالجواب عنه أن الذي يتضمنه القرآن معارف حقة لا يرتاب ذو لب فيها وتضطر العقول إلى قبولها قد هدى الله النبي إليها فهو مؤمن بآيات الله إذ لو لم يكن مؤمنا لم يهده الله والله لا يهدي من لا يؤمن بآياته وإذ كان مؤمنا بآيات الله فهو لا يفتري على الله الكذب فإنه لا يفتري عليه إلا من لا يؤمن بآياته ، فليس هذا القرآن بمفترى ، ولا مأخوذا من بشر ومنسوبا إلى الله سبحانه كذبا.

فقوله:"لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين"جواب عن أول شقي الشبهة وهو أن يكون القرآن بلفظه مأخوذا من بشر على نحو التلقين ، والمعنى: أن لسان الرجل الذي يلحدون أي يميلون إليه وينوونه بقولهم:"إنما يعلمه بشر"أعجمي أي غير فصيح بين وهذا القرآن المتلو عليكم لسان عربي مبين وكيف يتصور صدور بيان عربي بليغ من رجل أعجمي اللسان.

وقوله:"إن الذين لا يؤمنون"إلى آخر الآيتين جواب عن ثاني شقي الشبهة وهو أن يتعلم منه المعاني ثم ينسبها إلى الله افتراء.

والمعنى: إن الذين لا يؤمنون بآيات الله ويكفرون بها لا يهديهم الله إليه وإلى معارفه الحقة الظاهرة ولهم عذاب أليم ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤمن بآيات الله لأنه مهدي بهداية الله ، وإنما يفتري الكذب وينسبه إلى الله الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون المستمرون على الكذب ، وأما مثل النبي المؤمن بآيات الله فإنه لا يفتري الكذب ولا يكذب فالآيتان كنايتان عن أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مهدي بهداية الله مؤمن بآياته ومثله لا يفتري ولا يكذب.

والمفسرون قطعوا الآيتين عن الآية الأولى وجعلوا الآية الأولى هي الجواب الكامل عن الشبهة وقد عرفت أنها لا تفي بتمام الجواب.

ثم حملوا قوله:"و هذا لسان عربي مبين"على التحدي بإعجاز القرآن في بلاغته ، وأنت تعلم أن لا خبر في لفظ الآية عن أن القرآن معجز في بلاغته ولا أثر عن التحدي ، ونهاية ما فيه أنه عربي مبين لا وجه لأن يفصح عنه ويلفظه أعجمي.

ثم حملوا الآيتين التاليتين على تهديد أولئك الكفرة بآيات الله الرامين لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالافتراء ، ووعيدهم بالعذاب الأليم ، وقلب الافتراء والكذب إليهم بأنهم أولى بالافتراء والكذب بما أنهم لا يؤمنون بآيات الله فإن الله لم يهدهم.

ثم تكلموا بالبناء عليه في مفردات الآيتين بما يزيد في الابتعاد عن حق المعنى.

وقد عرفت أن ذلك يؤدي إلى عدم كفاية الجواب في حسم الإشكال من أصله.

في الدر المنثور ، أخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاصي قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسا إذ شخص بصره فقال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان - إلى قوله تذكرون". أقول: ورواه أيضا عن ابن عباس عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه. وفي المجمع ، وجاءت الرواية أن عثمان بن مظعون قال: كنت أسلمت استحياء من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام ولم يقر الإسلام في قلبي فكنت ذات يوم عنده حال تأمله فشخص بصره نحو السماء كأنه يستفهم شيئا فلما سري عنه سألته عن حاله فقال: نعم بينا أنا أحدثك إذ رأيت جبرائيل في الهواء فأتاني بهذه الآية:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان"فقرأها علي إلى آخرها فقر الإسلام في قلبي. وأتيت عمه أبا طالب فأخبرته فقال: يا آل قريش اتبعوا محمدا ترشدوا فإنه لا يأمركم إلا بمكارم الأخلاق ، وأتيت الوليد بن المغيرة وقرأت عليه هذه الآية فقال: إن كان محمد قاله فنعم ما قال ، وإن قاله ربه فنعم ما قال. قال: فأنزل الله:"أ فرأيت الذي تولى - وأعطى قليلا وأكدى"الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت