فهرس الكتاب

الصفحة 2583 من 4314

قوله تعالى:"قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين"قد تقدمت في أول السورة إشارة إلى معنى الروح ، والقدس الطهارة والنزاهة والظاهر أن الإضافة للاختصاص أي روح طاهرة عن قذارات المادة نزيهة عن الخطإ والغلط والضلال ، وهو المسمى في موضع آخر من كلامه تعالى بالروح الأمين ، وفي موضع آخر بجبريل من الملائكة قال تعالى:"نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194 ، وقال:"من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك"،: البقرة: 97.

فقوله:"قل نزله روح القدس من ربك"أمر بالجواب والأسبق إلى الذهن أن يكون الضمير راجعا إلى القرآن من جهة كونه ناسخا أي الآية الناسخة ، ويمكن أن يكون راجعا إلى مطلق القرآن ، وفي التعبير بالتنزيل دون الإنزال إشارة إلى التدريج.

وكان من طبع الكلام أن يقال: من ربي لكن عدل عنه إلى قوله:"من ربك"للدلالة على كمال العناية والرحمة في حقه (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنه لا يرضى بانقطاع خطابه فيغتنم الفرصة لتكليمه أينما أمكن ، وليدل على أن المراد بالقول المأمور به إخبارهم بذلك لا مجرد التلفظ بهذه الألفاظ فافهم.

وقوله:"ليثبت الذين آمنوا"التثبيت تحكيم الثبات وتأكيده بإلقاء الثبات بعد الثبات عليهم كأنهم بأصل إيمانهم بالله ورسوله واليوم الآخر ثبتوا على الحق وبتجدد الحكم حسب تجدد المصلحة يؤتون ثباتا على ثبات من غير أن يضعف ثباتهم الأول بالمضي على أعمال لا تطابق مصلحة الوقت فإن من الواضح أن من أمر بسلوك سبيل لمصلحة غاية فأخذ بسلوكه عن إيمان بالأمر الهادي فقطع قطعة منه على حسب ما يأمره به رعاية لمصلحة الغاية بسرعة أو بطء أو في ليل أو نهار ثم تغير نحو المصلحة فلو لم يغير الأمر الهادي نحو السلوك واستمر على أمره السابق لضعف إيمان السالك وانسلب أركانه لكن لو أمر بنحو جديد من السلوك يوافق المصلحة ويضمن السعادة زاد إيمانه ثباتا على ثبات.

ففي تنزيل القرآن بالنسخ وتجديد الحكم حسب تجدد المصلحة تثبيت للذين آمنوا وإعطاء لهم ثباتا على ثبات.

وقوله:"و هدى وبشرى للمسلمين"وهم الذين يسلمون الحكم لله من غير اعتراض فالآية الناسخة بالنسبة إليهم إراءة طريق وبشارة بالسعادة والجنة.

وتفريق الآثار بتخصيص التثبيت بالمؤمنين والهدى والبشرى بالمسلمين إنما هو لما بين الإيمان والإسلام من الفرق فالإيمان للقلب ونصيبه التثبت في العلم والإذعان والإسلام في ظاهر العمل ومرحلة الجوارح ونصيبها الاهتداء إلى واجب العمل ، والبشرى بأن الغاية هي الجنة والسعادة.

وقد مر بعض الكلام في النسخ في تفسير قوله تعالى:"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها": البقرة: 106 في الجزء الأول من الكتاب.

قوله تعالى:"و لقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر"افتراء آخر منهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو قولهم:"إنما يعلمه بشر"وهو كما يلوح إليه سياق اعتراضهم وما ورد في الجواب عنه أنه كان هناك رجل أعجمي غير فصيح في منطقه عنده شيء من معارف الأديان وأحاديث النبوة ربما لاقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتهموه بأنه يأخذ ما يدعيه وحيا منه والرجل هو الذي يعلمه وهو الذي حكاه الله تعالى من قولهم:"إنما يعلمه بشر"وفي القول إيجاز ، وتقديره: إنما يعلمه بشر وينسب ما تعلمه منه إلى الله افتراء عليه ، وهو ظاهر.

ومن المعلوم أن الجواب عنه بمجرد أن لسان الرجل أعجمي والقرآن عربي مبين لا يحسم مادة الشبهة من أصلها لجواز أن يلقي إليه المطالب بلسانه الأعجمي ثم يسبكها هو (صلى الله عليه وآله وسلم) ببلاغة منطقه في قالب العربية الفصيحة بل هذا هو الأسبق إلى الذهن من قولهم:"إنما يعلمه بشر"حيث عبروا عن ذلك بالتعليم دون التلقين والإملاء ، والتعليم أقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ.

وبذلك يظهر أن قوله:"لسان الذي يلحدون إليه - إلى قوله - مبين"ليس وحده جوابا عن شبهتهم بل ما يتلوه من الكلام إلى تمام آيتين من تمام الجواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت