و في القرآن شيء كثير من هذا الباب ، قال تعالى:"يشرح صدره للإسلام:"الأنعام - 125 ، وقال تعالى:"إنك يضيق صدرك": الحجر - 97 ، وقال تعالى:"و بلغت القلوب الحناجر:"الأحزاب - 10 ، وهو كناية عن ضيق الصدر ، وقال تعالى:"إن الله عليم بذات الصدور:"المائدة - 7 ، وليس من البعيد أن تكون هذه الإطلاقات في كتابه تعالى إشارة إلى تحقيق هذا النظر وإن لم يتضح كل الاتضاح بعد.
وقد رجح الشيخ أبو علي بن سينا كون الإدراك للقلب بمعنى أن دخالة الدماغ فيه دخالة الآلة فللقلب الإدراك وللدماغ الوساطة.
ولنرجع إلى الآية ولا يخلو قوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ، عن مجاز عقلي فإن ظاهر الإضراب عن المؤاخذة في بعض أقسام اليمين وهو اللغو إلى بعض آخر أن تتعلق بنفسه ولكن عدل عنه إلى تعليقه بأثره وهو الإثم المترتب عليه عند الحنث ففيه مجاز عقلي وإضراب في إضراب للإشارة إلى أن الله سبحانه لا شغل له إلا بالقلب كما قال تعالى:"إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله:"البقرة - 284 ، وقال تعالى:"و لكن يناله التقوى منكم:"الحج - 37.
وفي قوله تعالى: والله غفور حليم ، إشارة إلى كراهة اللغو من اليمين ، فإنه مما لا ينبغي صدوره من المؤمن.
وقد قال تعالى:"و قد أفلح المؤمنون إلى أن قال والذين هم عن اللغو معرضون:"المؤمنون - 3.
قوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم"إلخ"، الإيلاء من الألية بمعنى الحلف ، وغلب في الشرع في حلف الزوج أن لا يأتي زوجته غضبا وإضرارا ، وهو المراد في الآية ، والتربص هو الانتظار ، والفيء هو الرجوع.
والظاهر أن تعدية الإيلاء بمن لتضمينه معنى الابتعاد ونحوه فيفيد وقوع الحلف على الاجتناب عن المباشرة ، ويشعر به تحديد التربص بالأربعة أشهر فإنها الأمد المضروب للمباشرة الواجبة شرعا ، ومنه يعلم أن المراد بالعزم على الطلاق العزم مع إيقاعه ، ويشعر به أيضا تذييله بقوله تعالى: فإن الله سميع عليم ، فإن السمع إنما يتعلق بالطلاق الواقع لا بالعزم عليه.
وفي قوله تعالى: فإن الله غفور رحيم ، دلالة على أن الإيلاء لا عقاب عليه على تقدير الفيء.
وأما الكفارة فهي حكم شرعي لا يقبل المغفرة ، قال تعالى:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين الآية:"المائدة - 89.
فالمعنى أن من آلى من امرأته يتربص له الحاكم أربعة أشهر فإن رجع إلى حق الزوجية وهو المباشرة وكفر وباشر فلا عقاب عليه وإن عزم الطلاق وأوقعه فهو المخلص الآخر ، والله سميع عليم.
في تفسير العياشي ، عن الصادق (عليه السلام) : في قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم الآية ، قال (عليه السلام) : هو قول الرجل: لا والله وبلى والله وفيه ، أيضا عن الباقر والصادق (عليهما السلام) : في الآية يعني الرجل يحلف أن لا يكلم أخاه وما أشبه ذلك أو لا يكلم أمه.
وفي الكافي ، عن الصادق (عليه السلام) : في الآية ، قال: إذا دعيت لتصلح بين اثنين فلا تقل علي يمين أن لا أفعل.
أقول: والرواية الأولى كما ترى تفسر الآية بأحد المعنيين ، والثانية والثالثة بالمعنى الآخر ، ويقرب منهما ما في تفسير العياشي أيضا عن الباقر والصادق (عليهما السلام) قالا: هو الرجل يصلح بين الرجل فيحمل ما بينهما من الإثم الحديث ، فكان المراد أنه ينبغي أن لا يحلف بل يصلح ويحمل الإثم والله يغفر له ، فيكون مصداقا للعامل بالآية.
وفي الكافي ، عن مسعدة عن الصادق (عليه السلام) : في قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم الآية ، قال: اللغو قول الرجل: لا والله وبلى والله ولا يعقد على شيء.
أقول: وهذا المعنى مروي في الكافي ، عنه (عليه السلام) من غير الطريق ، وفي المجمع ، عنه وعن الباقر (عليه السلام) .