و الكسب هو اجتلاب المنافع بالعمل بصنعة أو حرفة أو نحوهما وأصله في اقتناء ما يرتفع به حوائج الإنسان المادية ثم استعير لكل ما يجتلبه الإنسان بعمل من أعماله من خير أو شر ككسب المدح والفخر وحسن الذكر بحسن الخلق والخدمات النوعية وكسب الخلق الحسن والعلم النافع والفضيلة بالأعمال المناسبة لها ، وكسب اللوم والذم ، واللعن والطعن ، والذنوب والآثام ، ونحوها بالأعمال المستتبعة لذلك ، فهذا هو معنى الكسب والاكتساب ، وقد قيل في الفرق بينهما إن الاكتساب اجتلاب الإنسان المنفعة لنفسه ، والكسب أعم مما يكون لنفسه أو غيره مثل كسب العبد لسيده وكسب الولي للمولى عليه ونحو ذلك.
وكيف كان فالكاسب والمكتسب هو الإنسان لا غير.
كلام في معنى القلب في القرآن
وهذا من الشواهد على أن المراد بالقلب هو الإنسان بمعنى النفس والروح ، فإن التعقل والتفكر والحب والبغض والخوف وأمثال ذلك وإن أمكن أن ينسبه أحد إلى القلب باعتقاد أنه العضو المدرك في البدن على ما ربما يعتقده العامة كما ينسب السمع إلى الأذن والإبصار إلى العين والذوق إلى اللسان ، لكن الكسب والاكتساب مما لا ينسب إلا إلى الإنسان البتة.
ونظير هذه الآية قوله تعالى:"فإنه آثم قلبه:"البقرة - 283 ، وقوله تعالى:"و جاء بقلب منيب:"ق - 33.
والظاهر: أن الإنسان لما شاهد نفسه وسائر أصناف الحيوان وتأمل فيها ورأى أن الشعور والإدراك ربما بطل أو غاب عن الحيوان بإغماء أو صرع أو نحوهما ، والحياة المدلول عليها بحركة القلب ونبضانه باقية بخلاف القلب قطع على أن مبدأ الحياة هو القلب ، أي أن الروح التي يعتقدها في الحيوان أول تعلقها بالقلب وإن سرت منه إلى جميع أعضاء الحياة ، وأن الآثار والخواص الروحية كالإحساسات الوجدانية مثل الشعور والإرادة والحب والبغض والرجاء والخوف وأمثال ذلك كلها للقلب بعناية أنه أول متعلق للروح ، وهذا لا ينافي كون كل عضو من الأعضاء مبدأ لفعله الذي يختص به كالدماغ للفكر والعين للإبصار والسمع للوعي والرئة للتنفس ونحو ذلك ، فإنها جميعا بمنزلة الآلات التي يفعل بها الأفعال المحتاجة إلى توسيط الآلة.
وربما يؤيد هذا النظر: ما وجده التجارب العلمي أن الطيور لا تموت بفقد الدماغ إلا أنها تفقد الإدراك ولا تشعر بشيء وتبقى على تلك الحال حتى تموت بفقد المواد الغذائية ووقوف القلب عن ضربانه.
وربما أيده أيضا: أن الأبحاث العلمية الطبيعية لم توفق حتى اليوم لتشخيص المصدر الذي يصدر عنه الأحكام البدنية أعني عرش الأوامر التي يمتثلها الأعضاء الفعالة في البدن الإنساني ، إذ لا ريب أنها في عين التشتت والتفرق من حيث أنفسها وأفعالها مجتمعة تحت لواء واحد منقادة لأمير واحد وحدة حقيقية.
ولا ينبغي أن يتوهم أن ذلك كان ناشئا عن الغفلة عن أمر الدماغ وما يخصه من الفعل الإدراكي ، فإن الإنسان قد تنبه لما عليه الرأس من الأهمية منذ أقدم الأزمنة ، والشاهد عليه ما نرى في جميع الأمم والملل على اختلاف ألسنتهم من تسمية مبدإ الحكم والأمر بالرأس ، واشتقاق اللغات المختلفة منه ، كالرأس والرئيس والرئاسة ، ورأس الخيط ، ورأس المدة ، ورأس المسافة ، ورأس الكلام ، ورأس الجبل ، والرأس من الدواب والأنعام ، ورئاس السيف.
فهذا - على ما يظهر - هو السبب في إسنادهم الإدراك والشعور وما لا يخلو عن شوب إدراك مثل الحب والبغض والرجاء والخوف والقصد والحسد والعفة والشجاعة والجرأة ونحو ذلك إلى القلب ، ومرادهم به الروح المتعلقة بالبدن أو السارية فيه بواسطته ، فينسبونها إليه كما ينسبونها إلى الروح وكما ينسبونها إلى أنفسهم ، يقال: أحببته وأحبته روحي وأحبته نفسي وأحبه قلبي ثم استقر التجوز في الاستعمال فأطلق القلب وأريد به النفس مجازا كما ربما تعدوا عنه إلى الصدر فجعلوه لاشتماله على القلب مكانا لأنحاء الإدراك والأفعال والصفات الروحية.