و في قوله:"و اعلموا أن الله مع المتقين"وعد إلهي بالنصر بشرط التقوى ، ويئول معناه إلى إرشادهم إلى أن يكونوا دائما مراقبين لأنفسهم ذاكرين مقام ربهم منهم ، وهو أنه معهم ومولاهم فهم الأعلون إن كانوا يتقون.
في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في المسجد:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم"الآية فكبر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانيا طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أ نزلت هذه الآية؟ قال: نعم. فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل. وفي الكافي ، بإسناده عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لقي عباد البصري علي بن الحسين (عليهما السلام) في طريق مكة فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينته إن الله يقول:"إن الله اشترى"إلخ ، فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج.
أقول: يريد (عليه السلام) ما في الآية الثانية:"التائبون العابدون"الآية من الأوصاف.
وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: سياحة أمتي في المساجد.
أقول: وروي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أن السائحين هم الصائمون. وعن أبي أمامة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ، وقد تقدم الكلام فيه.
وفي المجمع ،:"التائبين العابدين"إلى آخرها بالياء عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) . وفي الدر المنثور ،: في قوله:"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين": أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أي عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أ ترغب عن ملة عبد المطلب؟ وجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله يعانوانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلمهم هو: على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت:"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين"الآية ، وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".
أقول: وفي معناه روايات أخرى من طرق أهل السنة ، وفي بعضها أن المسلمين لما رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستغفر لعمه وهو مشرك استغفروا لآبائهم المشركين فنزلت الآية ، وقد اتفقت الرواية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنه كان مسلما غير متظاهر بإسلامه ليتمكن بذلك من حماية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفيما روي بالنقل الصحيح من أشعاره شيء كثير يدل على توحيده وتصديقه النبوة ، وقد قدمنا نبذة منها.
وفي الكافي ، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر قال: الأواه الدعاء. وفي المجمع ،: في قوله تعالى:"و ما كان الله ليضل قوما"الآية قيل: مات قوم من المسلمين على الإسلام قبل أن تنزل الفرائض فقال المسلمون: يا رسول الله إخواننا المسلمون ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم؟ فنزل:"و ما كان الله ليضل قوما"الآية: عن الحسن. وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: في الآية قال: نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى قال: لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ولكن ما كان الله ليعذب قوما بذنب أذنبوه حتى يبين لهم ما يتقون. قال: حتى ينهاهم قبل ذلك.
أقول: ظاهر الروايتين أنهما من التطبيق دون النزول بمعناه المصطلح عليه ، واتصال الآية بالآيتين قبلها ودخولها في سياقهما ظاهر ، وقد تقدم توضيحه.