فهرس الكتاب

الصفحة 3374 من 4314

و بهذا يندفع حجتهم على نفي المعاد بضلالهم سواء قررت على نحو الاستبعاد أو قررت على أن تلاشي البدن يبطل شخصية الإنسان فينعدم ولا معنى لإعادة المعدوم فإن حقيقة الإنسان هي نفسه التي يحكي عنها بقول"أنا"وهي غير البدن والبدن تابع لها في شخصيته وهي لا تتلاشى بالموت ولا تنعدم بل محفوظة في قدرة الله حتى يؤذن في رجوعها إلى ربها للحساب والجزاء فيبعث على الشريطة التي ذكر الله سبحانه.

وظهر بما تقدم أولا وجه اتصال قوله:"قل يتوفاكم"إلخ بقوله:"ء إذا ضللنا في الأرض"إلخ وأنه جواب حاسم للإشكال قاطع للشبهة ، وقد أشكل الأمر على بعض من فسر التوفي بمطلق الإماتة من غير التفات إلى نكتة التعبير بلفظ التوفي فتكلف في توجيه اتصال الآيتين بما لا يرتضيه العقل السليم.

وثانيا: أن الآية من أوضح الآيات القرآنية الدالة على تجرد النفس بمعنى كونها غير البدن أو شيء من حالات البدن.

قوله تعالى:"و لو ترى إذا المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون"نكس الرأس إطراقه وطأطأته ، والمراد بالمجرمين بقرينة ذيل الآية خصوص المنكرين للمعاد فاللام فيه لا تخلو من معنى العهد أي هؤلاء الذين يجحدون المعاد ويقولون:"أ إذا ضللنا في الأرض"إلخ.

وفي التعبير عن البعث بقوله:"عند ربهم"محاذاة لما تقدم من قوله:"بل هم بلقاء ربهم كافرون"أي واقفون موقفا من اللقاء لا يسعهم إنكاره ، وقولهم:"أبصرنا وسمعنا"ومسألتهم الرجوع للعمل الصالح لما ينجلي لهم أن النجاة في الإيمان والعمل الصالح وقد حصل لهم الإيمان اليقيني وبقي العمل الصالح ولذا يعترفون باليقين ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا فيتم لهم سببا النجاة.

والمعنى: ولو ترى إذ هؤلاء الذين يجرمون بإنكار لقاء الله مطرقوا رءوسهم عند ربهم في موقف اللقاء من الخزي والذل والندم يقولون ربنا أبصرنا بالمشاهدة وسمعنا بالطاعة فارجعنا نعمل عملا صالحا إنا موقنون والمحصل أنك تراهم يجحدون اللقاء ولو تراهم إذ أحاط بهم الخزي والذل فنكسوا رءوسهم واعترفوا بما ينكرونه اليوم وسألوا العود إلى هاهنا ولن يعودوا.

قوله تعالى:"و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها"إلى آخر الآية أي لو شئنا أن نعطي كل نفس أعم من المؤمنة والكافرة الهدى الذي يختص بها ويناسبها لأعطيناه لها بأن نشاء من طريق اختيار الكافر وإرادته أن يتلبس بالهدى فيتلبس بها من طريق الاختيار والإرادة كما شئنا في المؤمن كذلك فتلبس بالهدى باختيار منه وإرادة من دون أن ينجر إلى الإلجاء والاضطرار فيبطل التكليف ويلغو الجزاء.

وقوله:"و لكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين"أي ولكن هناك قضاء سابق مني محتوم وهو إملاء جهنم من الجنة والناس أجمعين وهو قوله لإبليس لما امتنع من سجدة آدم وقال:"فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين":"فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85 ، فقضى أن يدخل متبعي إبليس العذاب المخلد.

ولازم ذلك أن لا يهديهم لظلمهم وفسقهم بالخروج عن زي العبودية كما قال:"إن الله لا يهدي القوم الظالمين""و الله لا يهدي القوم الفاسقين": التوبة: 80 ، إلى غير ذلك من الآيات.

قوله تعالى:"فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم"إلى آخر الآية ، تفريع على قوله:"و لكن حق القول مني"والنسيان ذهول صورة الشيء عن الذاكرة ويكنى به عن عدم الاعتناء بما يهم الشيء وهو المراد في الآية.

والمعنى: فإذا كان من القضاء إذاقة العذاب لمتبعي إبليس فذوقوا العذاب بسبب عدم اعتنائكم بلقاء هذا اليوم حتى جحدتموه ولم تعملوا صالحا تثابون به فيه لأنا لم نعتن بما يهمكم في هذا اليوم من السعادة والنجاة ، وقوله:"و ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون"تأكيد وتوضيح لسابقه أي إن الذوق الذي أمرنا به ذوق عذاب الخلد ونسيانهم لقاء يومهم هذا أعمالهم السيئة.

في الدر المنثور ، أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة السجدة بمكة سوى ثلاث آيات"أ فمن كان مؤمنا"إلى تمام الآيات الثلاث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت