فهرس الكتاب

الصفحة 3373 من 4314

قوله تعالى:"ثم سواه ونفخ فيه من روحه"التسوية التصوير وتتميم العمل ، وفي قوله:"نفخ فيه من روحه"استعارة بالكناية بتشبيه الروح بالنفس الذي يتنفس به ثم نفخة في قالب من سواه ، وإضافة الروح إليه تعالى إضافة تشريفية ، والمعنى: ثم صور الإنسان المبدو خلقه من الطين والمجعول نسله من سلالة من ماء مهين ونفخ فيه من روح شريف منسوب إليه تعالى.

قوله تعالى:"و جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون"امتنان بنعمة الإدراك الحسي والفكري فالسمع والبصر للمحسوسات والقلوب للفكريات أعم من الإدراكات الجزئية الخيالية والكلية العقلية.

وقوله:"قليلا ما تشكرون"أي تشكرون شكرا قليلا ، والجملة اعتراضية في محل التوبيخ وقيل: الجملة حالية ، والمعنى: جعل لكم الأبصار والأفئدة والحال أنكم تشكرون قليلا ، والجملة على أي حال مسوقة للبث والشكوى والتوبيخ.

والالتفات في قوله:"و جعل لكم"إلخ ، من الغيبة إلى خطاب الجمع لتسجيل أن الإنعام الإلهي الشامل للجميع يربو على شكرهم فهم قاصرون أو أكثرهم مقصرون.

قوله تعالى:"و قالوا أ إذا ضللنا في الأرض أ إنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون"حجة من منكري البعث مبنية على الاستبعاد.

والضلال في الأرض قيل: هو الضيعة كما يقال: ضلت النعمة أي ضاعت ، وقيل: هو بمعنى الغيبة ، وكيف كان فمرادهم به أ إنا إذا متنا وانتشرت أجزاء أبداننا في الأرض وصرنا بحيث لا تميز لأجزائنا من سائر أجزاء الأرض ولا خبر عنا نقع في خلق جديد ونخلق ثانيا خلقنا الأول؟.

والاستفهام للإنكار ، والخلق الجديد هو البعث.

وقوله:"بل هم بلقاء ربهم كافرون"إضراب عن فحوى قولهم:"أ إذا ضللنا في الأرض"كأنه قيل: إنهم لا يجحدون الخلق الجديد لجحدهم قدرتنا على ذلك أو لسبب آخر بل هم كافرون بالرجوع إلينا ولقائنا ولذا جيء في الجواب عن قولهم بما يدل على الرجوع.

قوله تعالى:"قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون"توفي الشيء أخذه تاما كاملا كتوفي الحق وتوفي الدين من المديون.

وقوله:"ملك الموت الذي وكل بكم"قيل: أي وكل بإماتتكم وقبض أرواحكم والآية مطلقة ظاهرة في أعم من ذلك.

وقد نسب التوفي في الآية إلى ملك الموت ، وفي قوله:"الله يتوفى الأنفس حين موتها": الزمر: 42 إليه تعالى ، وفي قوله:"حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا": الأنعام: 61 ، وقوله:"الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم": النحل: 28 ، إلى الرسل والملائكة نظرا إلى اختلاف مراتب الأسباب فالسبب القريب الملائكة الرسل أعوان ملك الموت وفوقهم ملك الموت الآمر بذلك المجرى لأمر الله والله من ورائهم محيط وهو السبب الأعلى ومسبب الأسباب فذلك بوجه كمثل كتابة الإنسان بالقلم فالقلم كاتب واليد كاتبة والإنسان كاتب.

وقوله:"ثم إلى ربكم ترجعون"هو الرجوع الذي عبر عنه في الآية السابقة باللقاء وموطنه البعث المترتب على التوفي والمتراخي عنه ، كما يدل عليه العطف بثم الدالة على التراخي.

والآية - على أي تقدير - جواب عن الاحتجاج بضلال الموتى في الأرض على نفي البعث ومن المعلوم أن إماتة ملك الموت لهم ليس يحسم مادة الإشكال فيبقى قوله:"ثم إلى ربكم ترجعون"دعوى خالية عن الدليل في مقابل دعواهم المدللة والكلام الإلهي أنزه ساحة أن يتعاطى هذا النوع من المحاجة.

لكنه تعالى أمر رسوله أن يجيب عن حجتهم المبنية على الاستبعاد بأن حقيقة الموت ليس بطلانا لكم وضلالا منكم في الأرض بل ملك الموت الموكل بكم يأخذكم تامين كاملين من أجسادكم أي ينزع أرواحكم من أبدانكم بمعنى قطع علاقتها من الأبدان وأرواحكم تمام حقيقتكم فأنتم أي ما يعني بلفظة"كم"محفوظون لا يضل منكم شيء في الأرض وإنما يضل الأبدان وتتغير من حال إلى حال وقد كانت في معرض التغير من أول كينونتها.

ثم إنكم محفوظون حتى ترجعوا إلى ربكم بالبعث ورجوع الأرواح إلى أجسادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت